في خطوة وُصفت بالمفصلية، قررت جمعية جماعة الإخوان المسلمين المرخصة في الأردن حلّ نفسها ذاتياً، وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية نقلاً عن مصادر داخل مجلس الشورى التابع للجمعية.
القرار لم يأتِ في فراغ، بل جاء ضمن سلسلة تطورات متسارعة بين الجماعة والدولة الأردنية، تتداخل فيها الاتهامات الرسمية بجمع أموال غير مشروعة، وملاحقات أمنية لقيادات بارزة، في ظل مناخ سياسي محتقن وتنامي خطاب الدولة ضد الجماعات الإسلامية، خاصة بعد تصاعد الحراك الشعبي المناصر لغزة. فهل يمثل هذا القرار نهاية تجربة التنظيم الإسلامي “المرخّص” في المملكة؟ أم أنه مجرد فصل جديد في الصراع السياسي بين الجماعة والسلطة؟

خلفية الأزمة – من الترخيص إلى الحل الذاتي
الجمعية التي تمثل الجزء “المرخّص” من جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، كانت قد نشأت كإطار قانوني بعد حظر الجماعة الأم عام 2015، حين قضت محكمة التمييز الأردنية بعدم وجود كيان قانوني للجماعة، مما مهد الطريق لإنشاء كيان بديل يحظى بشرعية رسمية. إلا أن هذا الكيان بقي محل جدل داخلي في أوساط الإسلاميين، الذين رأوا فيه محاولة لتدجين الجماعة، وعزله عن الامتداد التاريخي والتنظيمي لجماعة الإخوان الأصلية.
ومع قرار الحل الأخير، تنتهي فعليًا تجربة استمرت نحو عقد من الزمن، حاولت خلالها الجماعة الموازنة بين العمل السياسي العلني في ظل الترخيص، والاحتفاظ بهويتها الدعوية والتنظيمية. لكن يبدو أن البيئة السياسية المتحولة، والضغوط الأمنية، وتصاعد الحملات الإعلامية ضدها، جعلت البقاء ضمن هذا الإطار أمرًا غير ممكن، أو غير مجدٍ على الأقل.
الاتهامات الحكومية و”شيطنة” الجماعة في ظل حرب غزة
في الأسبوع الذي سبق قرار الحل، فجّرت الحكومة الأردنية قنبلة إعلامية حين أعلنت، عبر وكالة الأنباء الرسمية “بترا”، عن وجود شبكة مالية ضخمة مرتبطة بالجماعة، جمعت نحو 30 مليون دينار أردني (42 مليون دولار) بشكل غير مشروع خلال السنوات الثماني الماضية. وجاء في البيان أن الجماعة استغلت الحرب في غزة لجمع التبرعات دون تنسيق مع الجهات الرسمية، وأن أغلب تلك الأموال لم تصل للجهات الخيرية المعتمدة مثل الهيئة الهاشمية، بل تم تهريبها إلى الخارج.
هذه الاتهامات أثارت موجة من الانتقادات في الشارع، لا سيما أن الإعلان الرسمي رافقته حملة إعلامية شرسة استهدفت الجماعة، وجاءت متزامنة مع اعتقالات لقيادات بارزة مثل نائب المراقب العام أحمد الزرقان، وعضو مجلس الشورى الشيخ إبراهيم اليماني.
منتقدو هذه الحملة رأوا فيها تصعيدًا سياسيًا متعمدًا يهدف إلى تصفية الجماعة كأحد آخر مظاهر المعارضة السياسية المنظمة في البلاد، في وقت تمر فيه المملكة بأزمة اقتصادية خانقة وعجز متفاقم. وكتب النائب الإسلامي ينال فريحات ساخرًا من التغطيات الرسمية: “أصبحت أعتقد أن الجماعة هي السبب وراء 45 مليار دينار مديونية الأردن، وربما اشترت طائرات مقاتلة وخططت لتخصيب اليورانيوم دون علمنا”.
قراءة أعمق – بين قمع ممنهج وإغلاق للهوامش السياسية
قرار حل الجمعية المرخصة، وإن بدا ذاتيًا، إلا أنه لا يمكن فصله عن السياق القمعي المتصاعد تجاه أي حراك سياسي غير مرضي عنه من قبل السلطات الأردنية. فالإخوان في الأردن – رغم مشاركتهم في البرلمان، والتزامهم بالعمل السلمي – أصبحوا اليوم هدفًا لحملة أمنية وإعلامية لا تخطئها العين. وبالنظر إلى ممارسات مثل التوقيف الإداري الذي طال عشرات الناشطين، والذي وصفه المحامي عبدالقادر الخطيب بأنه “عودة لزمن الأحكام العرفية”، يتضح أن ما يجري ليس مجرد “إجراء تنظيمي”، بل تصفية ناعمة لبقايا المعارضة.
الأمر يتعدى الشأن المحلي، فالأردن – الحليف الوثيق للغرب وللاحتلال الإسرائيلي – يتعامل مع التيارات الإسلامية بعين الريبة، خاصة بعد تنامي الغضب الشعبي المناصر لغزة وطوفان الأقصى. وبدا واضحًا أن السلطات تخشى أن تتحول هذه المشاعر إلى أدوات فعل سياسي منظم، فاختارت قطع الطريق مبكرًا عبر شيطنة الجماعة، وتخويف المجتمع من أي عمل تضامني أو تعبوي خارج الإطار الرسمي.
النتيجة أن الساحة السياسية الأردنية باتت شبه فارغة من أي معارضة حقيقية، فيما تستمر الأزمات الاقتصادية والمعيشية بالتصاعد دون حلول. ومع تراجع مساحة الحريات، يصبح الحديث عن الإصلاح السياسي مجرد ديكور خارجي لا يعكس حقيقة ما يجري.
حلّ الجمعية.. مؤشر على نهاية المعارضة المنظمة؟
قرار حل جمعية الإخوان المسلمين المرخصة ليس مجرد حدث إداري عابر، بل هو تتويج لمسار طويل من التضييق على الحركات الإسلامية والمعارضة السياسية عمومًا في الأردن. وإذا ما أُضيف إلى الاعتقالات المتكررة، والتقارير الأمنية، والاتهامات المالية، فإنه يشير إلى مرحلة جديدة تُغلق فيها تدريجيًا آخر نوافذ العمل السياسي المستقل في البلاد.
السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل تظن السلطة أن إغلاق هذه النوافذ سيُنهي الأصوات المعارضة؟ أم أن الضغط المفرط، دون تنفيس سياسي أو إصلاح حقيقي، قد يولد انفجارًا اجتماعيًا في وقت لم يعد فيه المواطن الأردني قادرًا على تحمل المزيد؟ الأيام القادمة وحدها من ستجيب.
اقرأ أيضًا : أبو عبيدة لقادة الأمة: أنتم خصومنا أمام الله ودماء غزة برقابكم