في تصريحات خاصة دقت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ناقوس الخطر بشأن الأوضاع الكارثية في قطاع غزة، مؤكدة أن الوضع الإنساني بلغ مستويات غير مسبوقة من التدهور.
وقالت المتحدثة باسم الأونروا، إيناس حمدان، إن “ما يحتاجه قطاع غزة بشكل عاجل ومستمر هو إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا على الأقل”، محذرة من أن الكميات الحالية التي يتم السماح بدخولها لا تكفي لسد حاجات سكان يعيشون تحت الحصار والموت اليومي.
وبحسب حمدان، فإن ما جرى إدخاله خلال الأسبوعين الماضيين لا يتجاوز 900 شاحنة فقط، أي ما يعادل 10% من الحد الأدنى المطلوب لتأمين احتياجات الناس اليومية. وأشارت إلى أن آليات التوزيع الحالية للمساعدات الغذائية غير إنسانية ولا تضمن وصولها إلى الفئات الأشد ضعفًا، من أطفال ونساء ومرضى وذوي إعاقة.
وأضافت أن استمرار استخدام المساعدات كأداة للمساومة، والتجويع كسلاح حرب، لا يعكس فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي، بل يرقى إلى جريمة جماعية ضد المدنيين.

مساعدات مغشوشة ومخططات تهجير
تزامنت تحذيرات الأونروا مع محاولات إسرائيلية – أمريكية للالتفاف على الأزمة من خلال ترويج مساعدات محدودة عبر “مؤسسة غزة الإنسانية” التي لا تحظى باعتراف الأمم المتحدة.
هذه المؤسسة، المُسجلة في سويسرا، بدأت مؤخرًا بتوزيع شحنات ضئيلة من المساعدات في مناطق جنوب ووسط القطاع، في محاولة مكشوفة للضغط على السكان لمغادرة شمال غزة، تنفيذًا لسياسة تهجير قسري تمارسها إسرائيل منذ أشهر.
غير أن مخطط الاحتلال فشل عندما هاجمت حشود فلسطينية جائعة مركزًا لتوزيع المساعدات جنوب القطاع، في مشهد يعكس حجم اليأس والجوع، فقوبلوا بوابل من الرصاص أطلقه جنود الاحتلال، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة نحو خمسين آخرين.
هذا السلوك الدموي من الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين العزل يؤكد أن ما يجري ليس فقط تهميشًا للمساعدات، بل تنكيل ممنهج وتجويع مُتعمَّد بهدف تفريغ غزة من سكانها.
وحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أغلقت المعابر بشكل شبه كامل منذ 2 آذار/ مارس، مما أدى إلى شلل تام في تدفق الغذاء والدواء والمياه.
وبسبب هذا الحصار، يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في ظروف مجاعة واقعية، دفعت الأمم المتحدة إلى اتهام إسرائيل باستخدام سياسة “التجويع كسلاح”.
جريمة العصر: حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي
منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يتعرض قطاع غزة لحرب إبادة جماعية لا تميّز بين مدني وعسكري، طفل أو مسن، امرأة أو رضيع.
وبأرقام صادمة، وثّقت المؤسسات الفلسطينية والدولية سقوط أكثر من 178 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء. وتجاوز عدد المفقودين 11 ألفًا، في وقت يعيش فيه مئات الآلاف نازحين بلا مأوى أو طعام أو ماء.
الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي على مناطق سكنية ومدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمخابز ومراكز التوزيع، لم تكن عشوائية، بل جرى تنفيذها ضمن خطة عسكرية ممنهجة تهدف إلى تجريف القطاع ديموغرافيًا وجغرافيًا.
فعلى سبيل المثال، أعلن جيش الاحتلال منذ منتصف مارس عن السيطرة على مساحات واسعة من شمال غزة، محذرًا السكان من البقاء في بيوتهم، ومتوعدًا بهجمات وصفها بأنها “غير مسبوقة”.
هذه الحرب، التي تحظى بدعم أمريكي سياسي وعسكري لا محدود، دفعت عددًا من منظمات حقوق الإنسان إلى وصفها بـ”جريمة العصر”، بينما تصر واشنطن على توفير غطاء دبلوماسي لإسرائيل في كل المحافل الدولية، مانعة صدور أي قرارات رادعة من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.
فوضى المساعدات: هل تتعمد إسرائيل خلق الجوع؟
الحديث عن “الفوضى” في إدارة المساعدات الإنسانية ليس جديدًا، لكنه اتخذ بعدًا خطيرًا في غزة. فبحسب الأونروا، فإن إدارة توزيع المساعدات الحالية لا تخضع للمعايير الإنسانية المعتمدة دوليًا، بل تدار بآلية تسمح بتسييس الغذاء وتحويله إلى أداة للضغط والترهيب.
وقالت المتحدثة باسم الوكالة إن الأونروا، خلال الهدنة، استطاعت توزيع مساعدات على نحو 1.9 مليون فلسطيني دون أن تسجَّل أي حالة سوء استخدام، مؤكدة أن الحل الوحيد يكمن في إعادة الأمور إلى يد المنظمات الأممية.
لكن الاحتلال يدرك أن منظمات مثل الأونروا تشكّل حاجزًا أمام سياساته التهجيرية، لذا يسعى لتقويضها وإقصائها، كما ظهر في حملات التشويه الأخيرة ضدها، والضغوط الأمريكية لتقليص تمويلها، بل وحتى اقتراحات حلها.
ختامًا: المجاعة ليست قضاءً وقدرًا بل جريمة مخطط لها
ما تعيشه غزة اليوم ليس كارثة طبيعية ولا حربًا بين جيوش متكافئة، بل جريمة ممنهجة بحق شعب أعزل يُعاقب جماعيًا لأنه بقي على أرضه. التجويع، تقييد المساعدات، استهداف المدنيين، سياسة الحصار، التهجير القسري… كلها جرائم تندرج تحت إطار الإبادة الجماعية.
وفي ظل غياب أي ضغط دولي فعّال، تستمر إسرائيل في تنفيذ مخططاتها، غير آبهة بالقانون الدولي أو الكوارث الإنسانية. ويبقى السؤال: هل سيتحرك العالم لإنقاذ ما تبقى من غزة، أم أن الصمت هو الشريك الثالث في هذه المجزرة المفتوحة؟
اقرأ أيضًا : عائلة الطبيبة آلاء النجار.. قصة أسرة أبادها الاحتلال بالكامل