في ظل تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على قطاع غزة، عادت قضية “نزع سلاح المقاومة” إلى الواجهة مجددًا، بعد تداول وسائل إعلام إسرائيلية أنباء عن مهلة زمنية مدتها 60 يومًا لتسليم سلاح حركة المقاومة الإسلامية “حماس”. وبينما حاول الاحتلال تصوير هذه المهلة كأمر واقع، سارعت الحركة إلى نفي وجود أي التزام رسمي، مؤكدة أن الحديث عن نزع السلاح لا يعدو كونه جزءًا من الحرب النفسية والسياسية ضد الشعب الفلسطيني.

مهلة بلا غطاء سياسي أو قانوني

أكد القيادي في حركة حماس محمود مرداوي، أن الحركة لم تتلقَّ أي إخطار رسمي من أي جهة بشأن ما يُسمى “مهلة تسليم السلاح”، معتبرًا أن هذه التسريبات الإعلامية تعكس حالة الارتباك داخل المؤسسة الإسرائيلية، ومحاولة تصدير إنجازات وهمية للرأي العام الداخلي.

وأشار مرداوي إلى أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال ووسائل إعلامه تندرج في إطار التهديد والابتزاز السياسي، دون أن يكون لها أساس في مسار المفاوضات أو الاتصالات الجارية، مؤكدًا أن المقاومة لا تتعامل مع الإملاءات، ولا تقبل فرض الوقائع بالقوة.

سلاح المقاومة… خط الدفاع الأخير

يُنظر إلى سلاح المقاومة في الوعي الفلسطيني باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الأرض والمقدسات، في ظل استمرار الاحتلال وسياساته التوسعية. وترى حماس أن الحديث عن نزع السلاح يتجاهل جوهر الصراع، القائم على الاحتلال والتهجير والاستيطان.

وأوضح مرداوي أن الاحتلال لا يخوض حربًا عسكرية فقط، بل حربًا دينية وثقافية تستهدف هوية الفلسطينيين، من خلال السيطرة على المواقع الدينية، وفرض واقع تهويدي في القدس والضفة الغربية، وهو ما يجعل التخلي عن أدوات الدفاع ضربًا من الوهم السياسي.

حرب تهجير مقنّعة تحت غطاء أمني

ربطت حماس بين مطالب نزع السلاح وبين مخطط أوسع يستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، ودفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية، سواء عبر الحصار أو القصف أو التضييق الاقتصادي.

وأكد مرداوي أن سياسة الاحتلال تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو دول الجوار، وعلى رأسها الأردن، عبر خلق بيئة طاردة للحياة، إلا أن هذه المحاولات ستفشل أمام تمسك الشعب بأرضه وبيوته وقراه، مهما بلغت التضحيات.

وأشار إلى أن تجربة العقود الماضية أثبتت أن سياسات القمع لا تنتج استسلامًا، بل تعزز روح الصمود والمقاومة.

نتنياهو وتصعيد خطاب “الحسم بالقوة”

في المقابل، شدد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على أن غزة “لن تشكل تهديدًا لإسرائيل مرة أخرى”، سواء “بالطريقة السهلة أو الصعبة”، في إشارة واضحة إلى استمرار خيار القوة العسكرية.

وطالب نتنياهو بنزع سلاح حماس بالكامل، بما في ذلك الأسلحة الفردية، معتبرًا أن بقاء أي قدرة عسكرية لدى المقاومة يمثل خطرًا استراتيجيًا. كما تحدث عن تقليص الاعتماد على الدعم الأمريكي، والسعي لبناء قوة مستقلة قادرة على الردع.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تأتي في إطار محاولة استعادة صورة الردع، بعد الإخفاقات الأمنية والسياسية التي كشفتها حرب غزة، وتراجع الثقة الشعبية داخل الكيان.

الوحدة الوطنية… ركيزة المواجهة القادمة

في سياق متصل، كشف مرداوي عن وجود حوارات فلسطينية داخلية، تشمل مختلف الفصائل، بهدف بلورة موقف موحد تجاه ما يجري في الضفة والقدس وغزة، محذرًا من أن غياب الوحدة الوطنية يفتح الباب أمام مزيد من الاختراقات السياسية.

وأكد أن الانقسام يمثل ثغرة خطيرة يستغلها الاحتلال لفرض شروطه، مشددًا على أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، على قاعدة الشراكة والمقاومة السياسية والميدانية.

مسؤولية عربية وإسلامية غائبة

انتقدت حماس حالة الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري في فلسطين، معتبرة أن غياب موقف جماعي فاعل شجع الاحتلال على التمادي في سياساته.

ودعا مرداوي إلى تحرك سياسي وإعلامي ودبلوماسي منسق، لحماية المقدسات ودعم صمود الفلسطينيين، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية ليست شأنًا محليًا، بل قضية مركزية للأمة بأكملها.

ثبات على المبادئ ورفض لأي تسويات منقوصة

جددت حماس تأكيدها أن أي محاولات لفرض “سلام جزئي” أو حلول مؤقتة على حساب الحقوق الثابتة لن تمر، وأن الحركة ملتزمة بمبادئها وعهودها تجاه الشعب الفلسطيني.

وشدد مرداوي على أن المقاومة لن ترفع الراية البيضاء، ولن تتخلى عن حق الدفاع المشروع، مهما بلغت الضغوط، معتبرًا أن السلاح ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لحماية الأرض والكرامة.

بين التهديد والواقع

تكشف قضية “مهلة تسليم السلاح” عن فجوة واسعة بين خطاب الاحتلال وواقع الميدان، حيث تسعى تل أبيب إلى فرض معادلة جديدة تقوم على إخضاع غزة سياسيًا وأمنيًا، بينما تواصل المقاومة التمسك بخيار الصمود.

وفي ظل غياب أفق سياسي عادل، واستمرار الاحتلال في سياساته العدوانية، تبدو دعوات نزع السلاح أقرب إلى محاولة كسر الإرادة الفلسطينية، لا إلى مشروع سلام حقيقي، ما يعزز قناعة المقاومة بأن المعركة ما زالت مفتوحة، وأن الثبات على المبادئ هو الخيار الوحيد المتاح.

اقرأ أيضًا : عشر سنوات سجن في الأردن لشبان خططوا لمقاومة الاحتلال وسط اتهامات بتواطؤ رسمي