دخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مرحلة حساسة، بعد إعلان حركة المقاومة حماس أنها لن تنتقل إلى المرحلة الثانية من الاتفاق ما لم يلتزم الاحتلال أولًا بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى، ووقف الانتهاكات التي تتواصل على الأرض رغم الإعلان الرسمي عن الهدنة.
هذا الموقف الحاسم يعكس ليس فقط رؤية الحركة لمسار المفاوضات، بل الواقع الإنساني المتدهور الذي يعيشه قطاع غزة، حيث لم تُترجم الهدنة إلى تحسن فعلي في حياة المدنيين، بل ظلّت الخروقات والغارات ونقص المساعدات هي العنوان الأبرز.

مرحلة أولى منقوصة… وحماس تعتبر أن المعادلة مختلّة
تؤكد الحركة أن المرحلة الأولى من الاتفاق تضمّنت التزامات واضحة: وقف إطلاق النار، إدخال مساعدات إنسانية كافية، تبادل الأسرى والمعتقلين، وتوفير آليات حماية للمدنيين. ورغم أن الحركة التزمت بما عليها، وسلمت دفعات من الأسرى وأتمت الإجراءات المتفق عليها، فإن الاحتلال – وفق الرواية الفلسطينية – لم يحقق الحد الأدنى من هذه الالتزامات.
لا تزال مناطق واسعة من غزة تتعرض لغارات متقطعة، وتبقى المعابر إما مغلقة أو تعمل بطاقة محدودة، بينما تصل المساعدات بكميات قليلة لا تكفي لإغاثة مئات الآلاف من المحاصرين. هذا الواقع جعل الحركة تعلن أنها لن تناقش أي مرحلة جديدة قبل أن تتحقق “الهدنة” بمعناها الحقيقي، لا الورقي.
وترى حماس أن الاحتلال يتعمد “إفراغ الهدنة من مضمونها”، عبر قصف متكرر، وعمليات توغل، ومنع دخول الوقود والمساعدات، ما يجعل أي حديث عن الانتقال إلى مرحلة جديدة “قفزًا على الحقائق” ومحاولة لفرض أمر واقع يناسب الاحتلال وحده.
المرحلة الثانية… طموح محفوف بالمخاطر
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار هي الأكثر حساسية سياسيا وميدانيا، لأنها تتضمن ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة: انسحاب قوات الاحتلال من مناطق محددة، ترتيبات إدارية وأمنية، وربما بداية مسار لإعادة الإعمار. لكن هذه المرحلة تعتمد على عنصر أساسي: الثقة.
ومع الخروقات المستمرة، تتعامل حماس مع المرحلة الثانية باعتبارها “هدفًا مشروطًا”، أي لا يمكن تحقيقه دون ضمانات واضحة. وتعتبر الحركة أن الدخول في هذه المرحلة دون وقف كامل للانتهاكات سيجعل القطاع تحت رحمة الاحتلال، الذي قد يستخدم أي ثغرة لإعادة القصف أو إعادة الانتشار بطرق مختلفة.
كما تخشى الحركة من أن الاحتلال يحاول استخدام الحديث عن المرحلة الثانية كغطاء لإطالة أمد وجوده العسكري داخل غزة، أو إبقاء “خطوط تماس” جديدة تضمن له السيطرة على أجزاء من القطاع، تحت مبررات أمنية.
ضغط دولي محدود… وإرادة سياسية غائبة
الواضح أن الوسطاء الإقليميين والدوليين يواجهون صعوبة حقيقية في إلزام الاحتلال بتطبيق اتفاق المرحلة الأولى. ورغم الوعود والمشاورات المكثفة، لم يحدث أي تغيير جذري على الأرض. ما زالت الشاحنات تنتظر ساعات طويلة للدخول، وما زالت الغارات تقع قرب مناطق سكنية، وما زالت عمليات إطلاق النار تسجل حتى في أوقات يفترض أنها خاضعة للتهدئة.
الحركة ترى أن الدور الدولي “أقل بكثير” مما يحتاجه الوضع الإنساني، وأن الجهات الضامنة للاتفاق مطالبة بالتحرك الجدي لفرض وقف كامل للعمليات العسكرية، بدل الاكتفاء بالبيانات.
في المقابل، تمنح هذه الفوضى السياسية والعسكرية الاحتلال القدرة على المناورة: فهو من جهة يتظاهر بالالتزام الشكلي بالاتفاق، ومن جهة أخرى يواصل سياسة “النفس الطويل” التي تهدف إلى إنهاك المقاومة والسكان معًا.
الملف الإنساني… بارومتر الهدنة
المدنيون في غزة يدفعون ثمن الخلل الواضح في تنفيذ الهدنة. فالمشافي تعمل دون طاقة كافية، ونازحون يعيشون في العراء، وأسر بأكملها فقدت مصادر المياه والغذاء. الوضع لا يعكس حالة “هدنة”، بل حالة “وقف إطلاق نار شكلي” لا يحمي المدنيين ولا يسمح بإعادة تنظيم الحياة.
وترى منظمات فلسطينية أن الوضع الإنساني، لا التصريحات السياسية، هو المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل الهدنة. فإذا لم تتوقف الغارات، ولم تدخل المساعدات، ولم يُرفع الحصار فعليًا، فإن أي حديث عن “مرحلة ثانية” يصبح غير واقعي.
حماس: لا مرحلة ثانية بلا التزام كامل
تلخص الحركة موقفها بجملة واحدة: “لن ننتقل إلى المرحلة الثانية قبل تنفيذ بنود المرحلة الأولى”. وهذا الموقف، رغم صلابته، منطقيّ من منظور سياسي وإنساني، لأن المرحلة الثانية لا يمكن بناؤها فوق “هدنة هشّة”، بل تحتاج إلى أرض صلبة.
وترى الحركة أن المطلوب ليس مجرد التزام شكلي، بل وقف فعلي للعمليات العسكرية، وتسهيل دخول المساعدات، وإطلاق سراح دفعات من الأسرى، وإثبات حسن النية، قبل التفكير في أي خطوات سياسية مستقبلية.
خلاصة… هدنة عاجزة عن تحقيق حدّها الأدنى
الواضح أن الهدنة الحالية عاجزة عن تحقيق هدفها الأساسي: حماية المدنيين ووقف النزيف. والانتهاكات المتواصلة للاحتلال تجعل الوضع أكثر تعقيدًا، وتمنح حماس مبررًا قويًا لرفض الانتقال إلى مرحلة جديدة.
وحتى تتحول الهدنة إلى مسار سياسي فعلي، لا بد من تغيير جوهري على الأرض، يبدأ بوقف شامل وملزم للقصف والتوغل، وانتهاءً بدخول المساعدات دون قيود. دون ذلك، ستظل الهدنة مجرد عنوان جميل فوق واقع مأساوي، وستبقى المرحلة الثانية بعيدة المنال.
اقرأ أيضًا : قاضية أميركية ترفع القيود عن طالبة تركية مؤيدة لفلسطين بجامعة تافتس