في تطور سياسي لافت يعبّر عن ثبات معادلة المقاومة رغم محاولات تصفيتها، أعلن رئيس حركة حماس في غزة خليل الحية، السبت، أن الحركة مستعدة لتسليم سلاحها لـ”الدولة” التي ستدير قطاع غزة مستقبلاً، لكن بشرط واحد لا تنازل عنه: انتهاء الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

هذا التصريح، وإن حاولت أطراف دولية قراءته كإشارة إلى “ليونة سياسية”، إلا أنه في جوهره يعيد تثبيت معادلة عمرها عقود: السلاح ليس غاية بحد ذاته، بل أداة لتحرير الأرض وحماية الشعب، وعندما يتحقق التحرير تُسَلَّم الأمانة للدولة.

ربط السلاح بالتحرير: معادلة المقاومة التي لا تتغير

قال الحية في بيانه: “سلاحنا مرتبط بوجود الاحتلال والعدوان، وإذا انتهى الاحتلال فسيؤول هذا السلاح إلى الدولة”. وفي توضيح لوكالة “فرانس برس”، أكد مكتبه أنه يقصد بالدولة “دولة فلسطينية مستقبلية ذات سيادة”.

بهذا يقطع الحية الطريق على الرواية الإسرائيلية والغربية التي حاولت تصوير المقاومة على أنها “قوة منفلتة” تسعى لحكم غزة بالسلاح. فالحركة تقول بوضوح:
عندما تنتهي أسباب المقاومة، ينتهي دور السلاح. أما قبل ذلك، فهو خط أحمر لأنه صمام النجاة الأخير لشعب يتعرض لإبادة منذ عقود.

كما أشار الحية إلى قبول الحركة بوجود قوات أممية “كقوات فصل ومراقبة للحدود” ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، ما يعكس استعداداً لانفتاح سياسي من دون التخلي عن الثوابت الوطنية.

مشعل: لا وصاية على غزة ولا إعادة احتلال.. والفلسطيني هو من يحكم نفسه

الموقف ذاته دعمه القيادي البارز في حماس خالد مشعل، خلال مؤتمر “العهد للقدس” في إسطنبول، مؤكداً رفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الانتداب على غزة أو الضفة.

وقال مشعل:
“الفلسطيني هو من يحكم نفسه… لا وصاية ولا إعادة احتلال… هذه أرضنا ومصيرنا ونحن من نقرر”.

رسالة مشعل تعكس خشية فلسطينية عميقة من محاولات فرض ترتيبات خارجية على غزة بعد الحرب، سواء عبر قوات عربية أو دولية تعمل تحت سقف الرؤية الإسرائيلية، وهو ما تصفه الفصائل بأنه “إعادة هندسة القطاع بما يخدم مشروع الاحتلال”.

تحذير من “البلطجة الإسرائيلية” ورفض دمج الاحتلال في المنطقة

مشعل انتقد ما وصفه بـ“البلطجة الإسرائيلية” التي تريد إخضاع المنطقة لرؤيتها الأمنية، محذراً من أن إسرائيل لن تكون صديقة لأحد ولا جزءاً من أي منظومة استقرار.

هذا الطرح يعيد التذكير بأن المقاومة ليست مجرد رد فعل على الاحتلال، بل مشروع تحرري أوسع يرى أن التطبيع والاندماج الإقليمي مع إسرائيل يمثلان تهديداً وجودياً للقضية.

تضحيات المقاومة: سلاح يُحمَل بدماء الشهداء لا بالمزايدات السياسية

عندما تتحدث حماس عن “سلاح المقاومة”، فهي لا تشير إلى معدات عسكرية فقط، بل إلى مشروع تحرري دفع الفلسطينيون ثمنه من دمائهم.
فهذا السلاح الذي يُناقَش اليوم مستقبله، لم يأتِ من فراغ:

  • هو السلاح الذي واجه واحدة من أعنف الآلات العسكرية في العالم.

  • هو السلاح الذي حمى غزة من إعادة احتلال مباشر رغم الحروب الكارثية.

  • هو السلاح الذي دفع الفلسطينيون ثمنه أكثر من 70 ألف شهيد و 171 ألف جريح منذ بداية العدوان عام 2023، وفق أرقام وزارة الصحة.

  • هو السلاح الذي واصل الدفاع رغم حصار خانق ومنعٍ للمساعدات ودمارٍ شامل استهدف البشر والحجر.

هذا السياق يجعل من إعلان الحية ليس تنازلاً، بل تأكيداً أن المقاومة ليست غاية ذاتية، بل وسيلة لحماية الشعب حتى قيام الدولة.
وبالتالي، فإن إنهاء السلاح مرهون بتحقق الهدف الذي حمل هذا السلاح من أجله — وهو التحرير.

الحصار مستمر رغم وقف إطلاق النار.. ومعاناة غزة تتضاعف

رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن يوقف الإبادة الجماعية، فإن الاحتلال واصل خرقه يومياً.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن إسرائيل قتلت 360 فلسطينياً وأصابت 922 آخرين منذ بدء وقف النار في 10 أكتوبر الماضي.

كما تواصل إسرائيل منع إدخال الغذاء والدواء، الأمر الذي جعل 2.4 مليون فلسطيني في مواجهة كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث الانتظار في طوابير المساعدات أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

مشعل لخص الصورة بقوله:
“الحرب الكبرى توقفت، لكن التجويع والعقاب الجماعي ما زال مستمراً”.

مستقبل السلاح: بين الدولة والميدان

إعلان حماس استعدادها لتسليم السلاح بعد انتهاء الاحتلال يفتح الباب أمام نقاشات أعمق:

  • هل سيقبل الاحتلال بدولة فلسطينية ذات سيادة تمكن من تحقيق هذا الشرط؟

  • هل سيسمح المجتمع الدولي بقيام دولة حقيقية لا شكلية؟

  • وكيف ستبدو ترتيبات الأمن في غزة بعد الحرب؟

لكن الأكيد أن المقاومة — بما فيها سلاحها — لا تزال بالنسبة لشريحة واسعة من الفلسطينيين الضامن الأكثر واقعية لحمايتهم في ظل عجز المجتمع الدولي وتواطؤ بعض القوى الإقليمية.

خلاصة

تصريحات الحية ومشعل لا تعكس “تنازلاً”، بل تؤكد ثبات معادلة المقاومة:
السلاح ليس مطروحاً للتسليم إلا بعد انتهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

وحتى يتحقق ذلك، ستبقى المقاومة — بما قدمته من تضحيات هائلة — جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الفلسطينية، وركناً أساسياً في معادلة التحرير.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتصاعد: 3 شهداء وإصابات في قصف إسرائيلي على بيت لاهيا رغم اتفاق وقف النار