في حلقة جديدة من مسلسل الإجرام الإسرائيلي الذي لم يتوقف رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون، السبت، في سلسلة هجمات نفذها جيش الاحتلال بمختلف مناطق قطاع غزة، في مؤشر واضح على تصاعد الخروقات ومحاولة فرض واقع عسكري جديد على الأرض، بعيدًا عن أي التزامات سياسية أو إنسانية.

تؤكد المعطيات الميدانية أن الاحتلال يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره فرصة لإعادة التموضع واستكمال مخطط تدميري واسع، لا كاتفاق مُلزم يهدف إلى حماية المدنيين. فالهجمات الأخيرة جاءت في مناطق انسحب منها الجيش، وأخرى تقع تحت سيطرته الكاملة، ما يعكس سياسة منهجية تقوم على الضرب في عمق المناطق السكنية والتهجير القسري واستهداف المدنيين والفرق الإنسانية على حد سواء.

اغتيال في منطقة منزوعة القوات: بيت لاهيا تحت النار

مصادر طبية في مستشفى الشفاء أكدت وصول جثماني الشهيدين رفيق محمد مصباح العطار وأحمد صبري محمود العطار، إضافة إلى إصابتين خطيرتين، بعد استهدافهما من طائرة إسرائيلية بدون طيار من نوع كواد كابتر في منطقة العطاطرة شمال بيت لاهيا.

وتكتسب الجريمة خطورتها من وقوعها في منطقة كان من المفترض أن تكون “آمنة” بعد انسحاب قوات الاحتلال منها بموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى الذي دخل حيز التنفيذ في 11 أكتوبر الماضي. ومع ذلك، تستمر الطائرات المسيرة في التحليق المكثف وتنفيذ عمليات اغتيال مباشرة ضد المواطنين، ما ينسف أي ثقة في التزام الاحتلال بالاتفاق.

استهداف الدفاع المدني: رسالة رعب مقصودة

وفي جريمة أخرى، أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني استشهاد أحد عناصرها سهيل عبد الله دهمان متأثرًا بإصابته بعد قصف إسرائيلي استهدفه الجمعة أثناء توجهه مع نجله لتفقد منزلهما في مشروع بيت لاهيا. الحادثة التي أدت أيضًا إلى إصابة ابنه بجروح خطيرة، تمثل استمرارًا لسياسة الاحتلال في استهداف طواقم الإنقاذ والإغاثة التي تعد خطوطًا حمراء في القانون الدولي الإنساني.

استهداف الدفاع المدني في لحظة تفقد منزل مدمر لا يمكن تفسيره إلا كجزء من استراتيجية ترهيب منظّم تهدف إلى تعطيل جهود الإنقاذ وإبقاء السكان في حالة رعب دائم، خصوصًا في المناطق التي يدّعي الاحتلال أنه انسحب منها.

قصف مدفعي في مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية

مستشفى المعمداني استقبل إصابة خطيرة جراء سقوط قذيفة مدفعية قرب نادي الشجاعية شرقي غزة، وهي منطقة تخضع لسيطرة كاملة من جيش الاحتلال. هذا التفصيل يعري الرواية الإسرائيلية حول “ضبط النفس” ويكشف أن الاحتلال يستغل وجوده العسكري لفرض قصف عشوائي واستهدافات متفرقة دون مبرر عملياتي.

وفي خانيونس، أكدت الطواقم الطبية في مجمع ناصر وصول إصابة جديدة نتيجة قصف طال مجموعة من المدنيين شرقي المدينة، رغم أن المنطقة أيضًا ضمن المناطق التي انسحب منها الاحتلال. وهذا يعيد التساؤل حول معنى “الانسحاب” حين تستمر النيران من الجو والمدفعية والآليات دون توقف.

تصعيد ليلي جديد: غارات ونسف مبانٍ سكنية

فجر السبت شهد القطاع موجة كثيفة من الغارات الجوية بالتزامن مع عمليات نسف لمبانٍ سكنية في مناطق مختلفة. الغارات استهدفت بشكل أساسي محيط رفح وخانيونس، فيما تواصلت القذائف المدفعية على مناطق شرق غزة، وفتحت الآليات نيران أسلحتها الرشاشة في شمال شرقي خانيونس.

أما الجريمة الأبرز فكانت عمليات النسف المتعمدة لمنازل المدنيين في أحياء التفاح والشجاعية وبيت لاهيا والبريج، حيث سمعت انفجارات ضخمة ناجمة عن مواد تفجيرية زرعها جنود الاحتلال داخل المباني. هذا السلوك يكشف نية واضحة لإحداث تدمير عمراني ممنهج حتى في غياب العمليات القتالية.

كما أطلقت الآليات الإسرائيلية المتمركزة شرق غزة قنابل إنارة فوق أحياء التفاح، أعقبها سقوط قذائف مدفعية عدة، في تكرار لأسلوب قصف المناطق المأهولة تحت غطاء إنارة جوي.

اتفاق وقف النار… أوراق بلا قيمة أمام آلة الحرب

ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس، يواصل الاحتلال ارتكاب الخروقات يوميًا. وبحسب مصادر رسمية في غزة، فإن الاحتلال ارتكب مئات الخروقات منذ بدء المرحلة الأولى من الاتفاق، وأسفرت عن استشهاد 366 فلسطينيًا حتى يوم الخميس الماضي.

وتؤكد هذه الأرقام أن وقف إطلاق النار بالنسبة للاحتلال ليس إلا أداة سياسية لتجميل صورته أمام المجتمع الدولي، بينما يواصل عملياته العسكرية على الأرض دون توقف، مستغلًا غياب الردع الدولي واستمرار العجز الأممي عن حماية المدنيين.

خلاصة تحليلية

تصاعد الخروقات في الأيام الأخيرة لا يمكن عزله عن رغبة الاحتلال في إعادة رسم خرائط السيطرة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الترتيبات السياسية المفترضة. ما يجري اليوم في بيت لاهيا وغزة وخانيونس ورفح يعكس إرادة إسرائيلية لفرض وقائع مسبقة، تهدف إلى تدمير النسيج العمراني، وضرب البنية المدنية، واستمرار سياسة الاستنزاف والتهجير.

إجرام الاحتلال لن يتوقف ببيانات الشجب، بل يستند إلى اعتقاد راسخ بأن العالم سيتعامل مع جرائمه كأحداث “جانبية” في صراع ممتد. وبينما يلتزم الفلسطينيون ببنود الاتفاق، يواصل الاحتلال استخدامه كغطاء لتمديد حربه بأشكال جديدة، مستهدفًا البشر والحجر على حد سواء.

اقرأ أيضًا : الإمارات تدفع الملايين للقاعدة: فدية تكشف دولة عاجزة لا تُتقن سوى صناعة الميليشيات