في ساعات الفجر الأولى من يوم السبت، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ جريمة جديدة بحق عائلة فلسطينية، حين فجّرت منزل الشهيد مثنّى عمرو في بلدة القبيبة شمال غرب القدس المحتلة. 

هذه العملية العسكرية الواسعة لم تكن مجرد إجراء عقابي ضد منزل فارغ، بل هي رسالة عنف متجددة من الاحتلال ضد كل من يجرؤ على مقاومته، في مشهد يفضح بوضوح سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود.

اقتحام واسع وطوق عسكري مشدد

مع بدء العملية، انتشرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال في محيط البلدة، وفرضت طوقًا عسكريًا شاملاً حول منزل الشهيد. أُغلقت الطرق الرئيسية المؤدية إلى القبيبة، وأُجبر السكان على إخلاء منازلهم القريبة من موقع التفجير، في مشهد يعكس حجم الترهيب الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد المدنيين العزّل. لم تكتف القوات بذلك، بل شرعت بأعمال حفر في جدران المنزل لتجهيزه للتفجير، في عملية استمرت ساعات طويلة قبل أن يهتز المكان بانفجار ضخم دمّر البيت بالكامل.

هذا المشهد بات مألوفًا للفلسطينيين، إذ اعتادت سلطات الاحتلال على استخدام سياسة هدم المنازل كوسيلة “انتقامية”، مستهدفة عائلات المقاومين بعد تنفيذ عمليات ضد الاحتلال. لكن هذه السياسة، التي أدانتها منظمات حقوقية دولية باعتبارها شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور وفق القانون الدولي الإنساني، لم تنجح يومًا في ردع الفلسطينيين عن المقاومة، بل ساهمت في زيادة مشاعر الغضب والتحدي.

عملية القدس: السياق والدلالات

الشهيد مثنّى عمرو استشهد مع رفيقه محمد طه في التاسع من أيلول/سبتمبر الجاري، بعد تنفيذهما عملية إطلاق نار قرب مستوطنة “رموت” بالقدس المحتلة. العملية أسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين، وجاءت في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، والانتهاكات المتكررة بحق الأسرى الفلسطينيين. وقد أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، تبنيها للعملية، واعتبرتها ردًا مباشرًا على جرائم الاحتلال.

في الشارع الفلسطيني، قوبلت العملية بترحيب واسع، واعتُبرت دليلاً على أن المقاومة في القدس ما زالت قادرة على إرباك حسابات الاحتلال رغم كل الإجراءات الأمنية. ومن هنا يمكن فهم شدة الانتقام الإسرائيلي من عائلة الشهيد، إذ تسعى تل أبيب لردع أي محاولة مستقبلية عبر بث الرعب في نفوس الفلسطينيين من خلال استهداف منازل ذوي المقاومين.

سياسة العقاب الجماعي: جريمة متواصلة

تفجير منزل مثنّى عمرو ليس حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يكررها الاحتلال بحق الفلسطينيين. فمنذ سنوات، اتخذت إسرائيل سياسة “هدم منازل منفذي العمليات” كجزء من عقيدتها الأمنية، رغم إدراكها أن هذه الإجراءات لم تمنع استمرار المقاومة. من الناحية القانونية، يُجمع الخبراء على أن هذه السياسة تمثل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف، لأنها تستهدف مدنيين أبرياء لم يشاركوا في أي عمل عسكري.

تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأخير وصف هذه الممارسات بأنها “عقاب جماعي غير قانوني يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية”، فيما أكدت الأمم المتحدة مرارًا أن تدمير الممتلكات المدنية بهذا الشكل لا يمكن تبريره إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى، وهو ما لا ينطبق على ما جرى في القبيبة. فالمنزل لم يكن يشكّل تهديدًا، إنما كان مأوى لعائلة فقدت ابنها.

الأثر الإنساني والنفسي على العائلات

العائلات الفلسطينية التي تتعرض لهدم منازلها لا تخسر فقط الجدران والأثاث، بل تفقد ذاكرتها الجمعية ومكانها الآمن. في حالة عائلة عمرو، لم يكن فقدان الابن الشهيد كافيًا للاحتلال، بل أراد أن يضاعف الألم بترك أسرته بلا مأوى. هذه السياسة تهدف إلى كسر معنويات العائلات وزرع الإحباط في نفوسها، لكنها في الواقع تخلق دائرة أوسع من الغضب والرغبة في المقاومة.

وفي كل مرة يتكرر فيها المشهد، يدرك الفلسطينيون أن الاحتلال لا يفرّق بين المقاوم والمدني، ما يعزز قناعة عامة بأن المواجهة مع إسرائيل ليست خيارًا فرديًا، بل قضية وجودية تخص كل الشعب.

إجرام الاحتلال في سياق أوسع

تفجير منزل الشهيد عمرو يندرج في سياق أشمل من الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال في القدس والضفة وغزة. فمن قتل الأطفال في غزة تحت القصف، إلى اقتحام مخيمات الضفة واعتقال الشبان، وصولًا إلى استهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، كلها حلقات في سلسلة طويلة من السياسات التي تنتهك كل الأعراف الإنسانية. الاحتلال يحاول أن يثبت لشعبه أنه قادر على الرد، لكنه في الحقيقة يراكم الأدلة ضده أمام الرأي العام الدولي.

الأمم المتحدة، والعديد من الدول، بدأت تدرك أن إسرائيل تمارس “نظام فصل عنصري” قائم على التمييز والقمع والعقوبات الجماعية. ومع ذلك، يواصل الاحتلال برعاية الدعم الغربي تنفيذ سياسات لا يمكن تبريرها سوى بأنها محاولة لترسيخ الهيمنة بالقوة.

خاتمة: بين الردع والمقاومة

في نهاية المطاف، قد يرى الاحتلال في تفجير منازل الشهداء وسيلة ردع فعّالة، لكنه يغفل عن حقيقة جوهرية: هذه السياسات لم تكسر إرادة الفلسطينيين يومًا، بل تزيدهم تصميمًا على الاستمرار في طريق المقاومة. الشهيد مثنّى عمرو رحل، لكن ذكراه ستبقى حيّة، ليس فقط بين أفراد عائلته التي دُمّر منزلها، بل في ذاكرة كل فلسطيني يرى أن الاحتلال لا يعرف سوى لغة الإجرام.

إن تفجير منزل الشهيد في القبيبة يفتح مجددًا الباب أمام أسئلة كبرى: إلى متى سيبقى المجتمع الدولي صامتًا أمام هذه الجرائم؟ وهل يمكن لشعب يُحرم من حقه في الحياة الكريمة أن يتوقف عن مقاومة جلاده؟ الإجابة، كما يؤكد التاريخ، أن القمع لا يولد إلا مزيدًا من المقاومة، وأن سياسة الاحتلال القائمة على الدم والدمار لن تجلب له إلا عزلة أعمق وانهيارًا متزايدًا في صورته أمام العالم.

اقرأ أيضًا : توني بلير يعود من بوابة غزة: خطة أمريكية ـ إماراتية لدور مثير للجدل