في خطوة أثارت الكثير من علامات الاستفهام، أغلقت السفارة البريطانية في القاهرة أبوابها مؤقتًا، مبررة القرار بإزالة الحواجز الخرسانية والإجراءات الأمنية التي أحاطت بمبناها في جاردن سيتي لعقود.
هذا الإجراء، الذي اعتبرته لندن تهديدًا مباشرًا لأمن بعثتها، يكشف حجم التوتر المكتوم بين القاهرة ولندن، ويضع الدبلوماسية المصرية في مأزق جديد. فبدلاً من أن تسعى سلطات عبد الفتاح السيسي إلى الحفاظ على صورة بلد آمن قادر على حماية السفارات الأجنبية، اندفعت بقرارات انفعالية تحت شعار “المعاملة بالمثل”، ما جعل واحدة من أعرق البعثات الأجنبية تغلق مقرها في قلب العاصمة.

المعاملة بالمثل أم تصعيد مجاني؟
تذرعت القاهرة بأن قرار إزالة الحواجز يأتي في إطار “المعاملة بالمثل” بعد تزايد الاحتجاجات ضد السفارات المصرية في الخارج، حيث شهدت عواصم أوروبية وأمريكية مظاهرات غاضبة ضد حصار غزة وإغلاق معبر رفح.
غير أن المقارنة هنا تكشف هشاشة المنطق؛ فبينما يهاجم متظاهرون مصريون مقار بعثاتهم بالخارج نتيجة سياسات النظام نفسه، كان يفترض بالسلطات المصرية أن تعالج جذور الأزمة لا أن تعاقب سفارة بريطانية على ذنب لم ترتكبه.
هذا التصرف أظهر ارتباكًا واضحًا، وكأن النظام غير قادر على الفصل بين النقد السياسي في الخارج وبين التزاماته الدولية وفق اتفاقية فيينا.
السيسي ورهاناته الخاسرة
منذ انقلابه في 2013، اعتاد نظام السيسي استخدام شعار “الأمن القومي” لتبرير كل شيء، بدءًا من قمع الداخل وصولًا إلى التحكم في حركة السفر والدبلوماسية.
لكن ما حدث مع السفارة البريطانية يعكس غباءً استراتيجيًا؛ فالنظام الذي يدّعي أنه يحمي الأمن ويثبت الاستقرار، هو ذاته الذي يرفع فجأة كل التحصينات الأمنية عن سفارة كبرى ويتركها مكشوفة، ثم يتفاخر بأن ذلك يعكس “ثقة في الوضع الداخلي”.
النتيجة جاءت عكسية: بريطانيا، القوة الدولية التي تستثمر في الطاقة والسياحة المصرية، أغلقت أبوابها ووجهت رسالة ضمنية للعالم بأن القاهرة لم تعد مكانًا آمنًا لممارسة العمل الدبلوماسي.
البعد السياسي والإخوان شماعة جاهزة
كالعادة، لم يتردد النظام في استدعاء شماعة “الإخوان المسلمين”، متهماً لندن بأنها تسمح لمعارضين مصريين بالنشاط فوق أراضيها والتحريض ضد الدولة.
هذه اللغة المتكررة تكشف عجز النظام عن مواجهة أزماته الحقيقية: أزمة شرعية داخلية، وفقدان القدرة على بناء ثقة مع شركائه الغربيين.
بدلاً من تقديم إصلاحات سياسية أو تخفيف القبضة الأمنية التي فجرت الاحتجاجات، يلجأ النظام إلى معارك جانبية مع العواصم الأوروبية، ملوحًا بإجراءات انتقامية تضر بسمعة مصر أكثر مما تضر بالخصوم.
غباء دبلوماسي يضر بالاقتصاد
قرار رفع الحواجز لم يقتصر على الجانب الأمني، بل حمل رسالة سياسية سلبية أثرت على صورة مصر لدى المستثمرين والسياح. فالسفارة البريطانية ليست مجرد مبنى، بل تمثل دولة تعتبر من أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، ومصدرًا رئيسيًا للسياح الذين يرفدون الخزينة المصرية بالعملة الصعبة.
ومع ذلك، تعامل النظام مع الملف بمنطق داخلي ضيق: إرضاء أصوات حزبية مؤيدة للنظام كحزب “الجبهة الوطنية”، الذي اعتبر الحواجز “تشويهاً للمدينة”، متجاهلاً أن إزالة تلك الحواجز فجرت أزمة أكبر مع لندن. إنها صورة مصغرة لأسلوب حكم السيسي الذي يغامر بالمصالح الكبرى من أجل مكاسب دعائية محلية.
التاريخ يعيد نفسه.. مصر بين الاحتلال والحصار
المفارقة أن الحواجز التي وُضعت بداية الألفية الثانية جاءت في لحظة صراع إقليمي، بعد الغزو الأمريكي للعراق وتصاعد الانتفاضة الفلسطينية، حينها خشيت بريطانيا من ردود الشارع المصري.
لكن النظام الحالي، بدلًا من أن يحوّل رفع الحواجز إلى مناسبة للتأكيد على نضج العلاقات واستقرار الأمن، حوّلها إلى مواجهة مفتوحة مع لندن.
هذا يذكرنا بتاريخ طويل من سوء إدارة العلاقات مع القوى الغربية: من عهد الاحتلال البريطاني وصولًا إلى اليوم، حيث تعكس تصرفات السيسي عقدة مزمنة تجاه الغرب، لكنها في النهاية تُدار بغباء سياسي يجعل مصر هي الخاسر الأكبر.
القانون الدولي والورطة المصرية
وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، تلتزم مصر بحماية مقار السفارات الأجنبية. صحيح أن القاهرة أعلنت استمرار توفير الحماية الأمنية، لكنها بقرارها المتسرع أرسلت رسالة مزدوجة: من جهة تقول إنها ملتزمة بالقانون الدولي، ومن جهة أخرى تُظهر أنها مستعدة لاستخدام أمن السفارات كورقة ضغط سياسية.
هذه الازدواجية قد تُستخدم ضدها في المحافل الدولية، وتفتح الباب لمزيد من الانتقادات بشأن غياب دولة القانون والشفافية تحت حكم السيسي.
خلاصة: سفينة بلا بوصلة
الأزمة الأخيرة مع السفارة البريطانية تعكس صورة أوسع: نظام بلا بوصلة، يتعامل مع القضايا الخارجية بمنطق أمني ضيق ويخلط بين الانتقام والمصلحة الوطنية.
قرار رفع الحواجز بدا وكأنه محاولة لإثبات “السيادة”، لكنه في الواقع كشف غباء النظام الذي لا يدرك أن الدبلوماسية ليست لعبة انتقامية، بل منظومة مصالح متبادلة.
إغلاق السفارة البريطانية لن يكون مجرد حادث عابر، بل قد يكون مؤشرًا على بداية فتور أعمق في العلاقات المصرية البريطانية، يضاف إلى عزلة دولية تتفاقم مع كل خطوة ارتجالية يتخذها السيسي ونظامه. وفي النهاية، من يدفع الثمن ليس النظام وحده، بل الشعب المصري الذي تُرهق معيشته وتُشوّه صورة بلاده بسبب غباء من يحكمها.
اقرأ أيضًا : القسام تستهدف دبابة وجرافة في حي الزيتون: رسالة نارية وسط حرب الإبادة