في مشهد يعكس تناقضًا فجًا بين الخطاب الدعائي والسلوك الشخصي، اعتقلت السلطات الأمريكية في مدينة دالاس الحاخام إسحاق مائير سابو، أحد أبرز الوجوه المؤيدة لـ”إسرائيل”، بتهمة التحرش الجنسي بطفل داخل مدرسة يهودية خاصة.

المفارقة الصادمة أن سابو، الذي عمل كمدير لقسم “الحياة اليهودية” في المدرسة، كان من بين أكثر الأصوات التي تروج لمزاعم ملفقة ضد حركة حماس، متهمًا إياها باغتصاب نساء وأطفال إسرائيليين في غزة خلال هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الخبر لم يقتصر على صدمة مجتمعه الديني، بل سلط الضوء من جديد على حملة ممنهجة من الأكاذيب التي يروج لها أنصار الاحتلال الإسرائيلي لتشويه صورة المقاومة الفلسطينية، مستغلين العاطفة الإنسانية لإثارة الرأي العام، بينما يتورط بعضهم في انتهاكات أخلاقية فاضحة.

مزاعم بلا أدلة: سلاح دعائي لتبرير المجازر

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر، والذي خلّف أكثر من 165 ألف شهيد وجريح ومفقود، معظمهم من النساء والأطفال، لجأت الدعاية الإسرائيلية إلى سلاح خطير: اتهام المقاومة، وخاصة حركة حماس، بارتكاب جرائم اغتصاب جماعي ضد مدنيين إسرائيليين. 

هذه الاتهامات، رغم خطورتها، لم تجد سندًا في أي تحقيق دولي محايد، بل إن العديد من المنظمات الحقوقية، بما فيها مؤسسات أمريكية وأوروبية، أكدت عدم وجود أدلة تثبت صحة هذه المزاعم، معتبرة أنها جزء من حملة تضليل إعلامي لتبرير الفظائع التي ترتكبها “إسرائيل” في غزة.

الحاخام سابو كان من بين المتحدثين البارزين في المسيرات المؤيدة لـ”إسرائيل” في دالاس، حيث ظهر مرارًا في وسائل الإعلام مدّعيًا أن حركة حماس ارتكبت جرائم “عنف جنسي جماعي” ضد النساء الإسرائيليات.

وهو خطاب سرعان ما وجد له صدى في وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية منحازة، رغم افتقاره إلى أي دليل حسي أو مادي.

لكن انكشاف تورط سابو نفسه في جريمة تحرش بطفل، وهو من يُفترض به أن يكون “قدوة روحية” ومربيًا، يفضح عمق الانحطاط الأخلاقي لدى بعض من يرفعون شعارات الدفاع عن “القيم اليهودية” في العلن، بينما يمارسون أسوأ الانتهاكات في الخفاء.

الازدواجية الأخلاقية والدعم الأمريكي الأعمى

القضية ليست فقط شخصية تتعلق بانحراف فرد، بل تكشف جانبًا مظلمًا من التحالف غير المعلن بين خطاب الكراهية والدعم السياسي والعسكري الأمريكي لـ”إسرائيل”. 

منذ عقود، تمارس “إسرائيل” سياسة ممنهجة في وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وتجريمها باستخدام دعاوى ملفقة مثل الاغتصاب والتعذيب والانتهاكات الجنسية، في محاولة لخلط الأوراق بين الضحية والجلاد.

لكن هذه الحملة تأخذ أبعادًا أخطر حين يتضح أن بعض المروجين لهذه الأكاذيب متورطون في جرائم جنسية بحق أطفال، كما في حالة الحاخام سابو. فالقضية هنا تتجاوز مجرد فضيحة أخلاقية، لتتحول إلى دليل على الإفلاس القيمي والأخلاقي لمنظومة الاحتلال وداعميها. 

لا يمكن إنكار أن المؤسسات الدينية والقيادات السياسية والإعلامية الداعمة لـ”إسرائيل” كثيرًا ما تتغاضى عن فضائح داخلية، بينما ترفع عقيرتها باتهامات لا تستند إلى أدلة ضد المقاومة الفلسطينية.

وفي المقابل، تقف حماس – رغم الحرب الإعلامية الشرسة ضدها – في موقع من يدافع عن أرضه وشعبه ضد احتلال دموي ومجازر مستمرة. 

ولم تسجل حتى الآن أي لجنة تحقيق دولية موثوقة – بما فيها لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة – أي حالات اغتصاب من قبل عناصر المقاومة في غزة، ما يدحض الرواية الإسرائيلية بشكل قاطع.

الأكاذيب لا تُبرّر الإبادة

تكشف قضية اعتقال الحاخام سابو عن وجه آخر للمعركة القائمة في فلسطين: معركة الرواية والوعي.

فبينما ترتكب “إسرائيل” مجازر موثقة بالصوت والصورة، تحاول تحويل الأنظار نحو مزاعم جنسية بلا أدلة، في مسعى لتجريد المقاومة من شرعيتها الأخلاقية، وتصويرها كجماعة همجية.

لكن عندما يسقط أحد رموز هذه الحملة – وهو حاخام مؤيد للاحتلال – بتهمة التحرش بطفل، فإن ذلك يفضح هشاشة البنية الأخلاقية لمنظومة الاحتلال وأنصاره.

في النهاية، لا يمكن للكذب أن يطمس الحقيقة إلى الأبد. والحقائق التي تسطرها دماء أطفال غزة ستبقى أقوى من كل الروايات الملفقة، مهما تزيّنت بعمائم دينية أو خطابات إنسانية زائفة.

اقرأ أيضًا : تقسيم النفوذ في سوريا: مناورة إسرائيلية لكبح تمدد أنقرة وتوسيع الهيمنة