في سابقة لا عهد للمستوطنين بها، فرضت الرقابة العسكرية الإسرائيلية حظراً صارماً على نشر صور الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أصابت قلب تل أبيب، وأطراف حيفا، وعمق بئر السبع، وهو حظرٌ لم يكن الغرض منه فقط حماية الأمن القومي، وإنما — وبشكل أكبر — حماية الصورة النفسية والرمزية للداخل الإسرائيلي، في مواجهة مشاهد دمار صارت مألوفة فقط في غزة.

فالإسرائيلي العادي لم يكن معتاداً على رؤية مبانٍ مدمرة، ولا أشخاص تحت الأنقاض، ولا صفارات إنذار تتردد بشكل هستيري، ولا سكان يهرولون إلى الملاجئ، بل كان من يراها دائماً… هو الفلسطيني.

الرقابة العسكرية الإسرائيلية… أداة للهروب من الحقيقة

منذ أن تعرضت إسرائيل لسلسلة ضربات صاروخية إيرانية، تحوّلت الرواية الرسمية الإسرائيلية إلى ما يشبه “الرؤية الانتقائية”، حيث مُنع الإعلام من عرض أو وصف الأماكن التي استهدفتها الصواريخ الإيرانية.

وفق تقارير لمراسلين ميدانيين داخل إسرائيل، فقد أكدت الرقابة العسكرية السماح فقط بالإشارة إلى “سقوط صاروخ في حيفا” دون ذكر أي تفاصيل عن الموقع، أو حجم الأضرار، أو حتى عدد الضحايا.

هذه الرقابة لا يمكن فهمها في إطار عسكري فقط، بل تتجاوز ذلك إلى البعد النفسي والاجتماعي. فالقيادة الإسرائيلية تخشى أن تؤدي مشاهد الدمار إلى فقدان الثقة بقدرة الجيش و”القبة الحديدية” على الحماية، وأن تُحدث انهياراً في المعنويات، خاصة أن تلك المشاهد تشبه بشكل صادم ما كانت تبثه وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية من غزة خلال الاعتداءات المتكررة.

ولعل ما زاد من عمق الحرج الإسرائيلي هو قيام بعض المراسلين الأجانب بكشف ما لم يجرؤ الصحفيون الإسرائيليون على نشره، حيث أشار أحدهم إلى طبيعة الموقع الذي استهدفته الصواريخ الإيرانية في حيفا، وهو ما أثار عاصفة داخلية ودفع الرقابة العسكرية إلى التشدد أكثر، مما يشير إلى أن ما يتم التستر عليه يتجاوز “المعلومة العسكرية الحساسة”، ليصل إلى محاولة طمس حقيقة حجم الضربة وشكلها الرمزي.

 تل أبيب كما خان يونس… مشاهد مألوفة لكن معكوسة

المدن الإسرائيلية التي اعتادت الهدوء والتفوق الأمني، باتت تعيش للمرة الأولى تجربة الفلسطيني في غزة. فقد أظهرت الصور التي سُربت من خارج الرقابة، ومقاطع شهود العيان، حجم الدمار الذي ألحقته الصواريخ الإيرانية، إذ تم تدمير أبنية بالكامل في حيفا، واشتعلت الحرائق في نيس تسيونا، كما سُجل سقوط مباشر لصواريخ وسط تجمعات سكنية في تل أبيب، وفق ما ذكرته إذاعة جيش الاحتلال.

مراسل الجزيرة في إسرائيل، محمد خيري، نقل عن ضباط في الجيش الإسرائيلي قولهم إن “ما نشاهده في تل أبيب وحيفا لم نره إلا في خان يونس وبيت لاهيا”، في إشارة واضحة إلى أن إسرائيل باتت تواجه نوعاً من الانكشاف الرمزي لم تكن تتخيله، وهو أن تتحول فجأة إلى الطرف المتلقي، المُنهك، المهزوز نفسياً، وهو الموقع الذي اعتادت حصره في الفلسطينيين.

والأهم من ذلك أن هذه المقارنة لا تأتي من الخصوم أو المناصرين لفلسطين، بل من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، وهذا يعطيها بعداً إضافياً من المصداقية والخطورة.

اهتزاز صورة القوة… والاحتلال حين يتجرّع من كأسه

ما يُقلق القيادة الإسرائيلية ليس فقط الصواريخ، بل الرسائل التي تنقلها هذه الصور حين يتم تسريبها. فتل أبيب لم تعد المدينة التي “لا تُقهر”، بل صارت أشبه بمرآة لغزة: مدينة تنهار أعصابها مع كل صفارة إنذار، ويعيش سكانها على وقع الخوف، ويبحث جيشها عن تعزيزات في الداخل.

وقد مثلت تغريدة لمراسلة هيئة البث الإسرائيلية مثالاً على محاولة التوازن بين أوامر الرقابة وواقع الميدان، إذ كتبت فقط عن “سقوط صاروخ في حيفا” دون تفاصيل، وهو ما يعبّر عن المأزق المهني والإعلامي في آن واحد: كيف تُخفي مشهداً بهذه الكثافة، في عصر باتت الصور فيه تصل حتى عبر التطبيقات الذكية قبل أن تمر بأي رقابة؟

إسرائيل، التي طالما حرصت على تصدير صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، بدأت تدفع ثمن خطابها حين تصبح في موقع المتلقي. ومن هنا يُفهم تشددها الرقابي: فالمسألة لم تعد عسكرية بل إعلامية نفسية، وتخشى المؤسسة من انهيار رمزي أمام الداخل والخارج.

ومن زاوية أخرى، فإن هذه الرقابة تتعارض مع المبادئ الديمقراطية التي تدّعي إسرائيل الالتزام بها. ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات حرية الصحافة والتعبير، تقوم بمنع مراسليها من وصف الواقع، بينما تلاحق من يكسر “إجماع الرقابة” باتهامات قد تصل إلى الإضرار بالأمن القومي.

بين غزة وتل أبيب… الرواية تُقلب

من المفارقات الصادمة أن الصور التي تمارس إسرائيل الرقابة عليها اليوم، هي ذاتها التي اعتادت تبرير نشرها حين تتعلق بالفلسطينيين في غزة. كانت إسرائيل تصر على عرض صور الأنفاق، والبيوت المدمرة، والأشلاء، لتبرير جرائمها أمام الرأي العام، بينما ترفض اليوم نشر صور مشابهة عندما تكون هي الضحية، ما يكشف عن ازدواجية مفضوحة في التعاطي مع الإعلام.

هذا التناقض يضعف موقفها الأخلاقي أمام المجتمع الدولي، ويفتح الباب للتساؤل: لماذا تخاف إسرائيل من نشر الحقيقة؟ ولماذا يُمنع المواطن الإسرائيلي من رؤية ما يراه العالم الخارجي في تقرير أممي أو في تسريب صحفي؟

الجواب يكمن في عمق الصدمة. فإسرائيل بنت هويتها الأمنية والسياسية على أسطورة التفوق، واليوم تنهار هذه الأسطورة على وقع صور الدمار التي تنقلها قنوات أجنبية، وتُحجب عن الداخل.

الهروب من الحقيقة لا يحصّن الجبهة الداخلية

مهما حاولت الرقابة العسكرية في إسرائيل حجب الصور ومنع التغطية، فإن الواقع الميداني يفرض نفسه. والصورة — التي كانت سلاحاً في الحرب على غزة — ترتد اليوم إلى قلب تل أبيب كأداة تفكيك للرواية الصهيونية عن “الأمان”.

إن ما تخشاه إسرائيل اليوم ليس فقط الخسائر المادية، بل انهيار روايتها الداخلية. لقد اعتاد المجتمع الإسرائيلي على فكرة “الأمان المطلق” و”الجيش القوي” و”الردع الساحق”، لكنه يكتشف فجأة أن هذه المفاهيم تنهار أمام صاروخ يصيب مبنىً سكنياً في قلب العاصمة، أو مشاهد لطفل إسرائيلي يصرخ تحت الأنقاض، تماماً كما يفعل أطفال غزة.

وإذا كانت إسرائيل قد أخضعت الفلسطينيين لرقابة مشاهد الموت لعقود، فإن الرقابة اليوم لا تحجب دمارها، بقدر ما تعمّق الانكشاف. لأن الصورة — كما يقول المثل الحديث — حين تُمنع، تصبح أكثر وضوحاً.

اقرأ أيضًا : من الابتزاز إلى “التحالف القذر”: هل تحوّلت حرب إسرائيل إلى مشروع تمويل خليجي؟