شفت قناة الجزيرة عن وثيقة خطيرة عرضها الاحتلال الإسرائيلي ضمن المفاوضات الجارية في العاصمة القطرية الدوحة، تُظهر خريطة إعادة انتشار عسكرية تشمل السيطرة على 40% من مساحة قطاع غزة، بما في ذلك محافظة رفح بأكملها، وتحولها إلى مركز تجمع قسري للنازحين، تمهيداً – على ما يبدو – لسيناريو تهجير جماعي إلى خارج حدود القطاع.

وفي وقت تُقدَّم فيه هذه الخرائط بوصفها “ترتيبات أمنية” لفترة التهدئة، فإنها في الواقع تمثل تطبيقاً ميدانياً لخطة تطهير عرقي، تُخفي تحت ستار المفاوضات رغبة إسرائيلية في تغيير ديمغرافي دائم.

خطة عسكرية بغطاء سياسي: خرائط تقطع أوصال غزة

الخرائط التي عرضها الوفد الإسرائيلي في الدوحة تُعيد رسم الواقع الجغرافي لغزة على نحو يجعل استمرار الحياة فيها مستحيلاً. ووفق ما نشرته الجزيرة، فإن مناطق واسعة على طول السياج الحدودي من الشمال إلى الجنوب، بعمق يصل إلى 3 كيلومترات في بعض المناطق، ستظل خاضعة لسيطرة الاحتلال المباشرة أو ضمن ما يسمى بـ”مناطق أمنية عازلة”.

الخرائط تُبقي كامل محافظة رفح – التي تضم أكبر عدد من النازحين حاليًا – تحت الاحتلال المباشر، إضافةً إلى أجزاء كبيرة من بيت لاهيا، وقرية أم النصر، ومعظم بيت حانون، وخزاعة، وصولًا إلى مناطق داخل أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون شرق مدينة غزة. كما تقترب نقاط السيطرة الإسرائيلية من شارع صلاح الدين الحيوي، في مناطق دير البلح والقرارة، وهو ما يعني تقطيع أوصال القطاع، وعزل مناطق الشمال عن الجنوب والوسط.

إن ما تظهره هذه الخرائط لا يمكن وصفه إلا بأنه محاولة لـ”قوننة” الاحتلال وتكريسه واقعياً داخل مفاوضات يُفترض أنها تسعى لإنهاء الحرب، لا إعادة تشكيلها بطرق جديدة أكثر بشاعة.

هدف خفي: تهجير الفلسطينيين عبر حصار نفسي وجغرافي

التحليل السياسي والأمني لهذه الخرائط يشير إلى أن الهدف الحقيقي للاحتلال لا يكمن فقط في الأمن أو إعادة التموضع، بل في خلق واقع ديموغرافي جديد يؤدي إلى تهجير جماعي للفلسطينيين من القطاع. فحرمان أكثر من 700 ألف فلسطيني من العودة إلى بيوتهم، وفق ما تظهره الخرائط، لا يمكن فصله عن خطة منهجية لجعل الحياة في غزة مستحيلة.

يُراد لرفح أن تكون مركزًا مكتظًا بالنازحين، يُقذَف إليه مئات الآلاف في ظروف صحية ومعيشية كارثية، ليصبح البقاء في غزة خيارًا مستحيلًا، والرحيل – سواء إلى مصر أو عبر البحر – هو الخيار الوحيد المطروح. ويخشى مراقبون أن الاحتلال يعوّل على استمرار الضغط والمعاناة لتحريك عجلة التهجير الطوعي تدريجيًا، دون الحاجة إلى إجبار مباشر يُكلفه سياسيًا أو قانونيًا.

وبينما تُعلن القيادة الإسرائيلية أن “الهدف هو الأمن”، فإن ما يجري فعليًا هو تطبيق فعلي لـ”حل غزة” عبر التهجير، لا عبر التسوية. وهذا ما يفسر تصميم حكومة الاحتلال على إبقاء هذه المساحات تحت سيطرتها حتى بعد أي اتفاق تهدئة.

المفاوضات تتعثر.. و”الخرائط” تكشف النوايا

وفقًا لمصادر فلسطينية مطلعة على مجريات المفاوضات في الدوحة، فإن اللقاءات تمر بمرحلة “معقدة وصعبة للغاية”، بسبب المواقف الإسرائيلية المتعنتة، وعلى رأسها خريطة إعادة التموضع التي تُعد بمثابة إعلان نوايا صريح عن رفض إسرائيل لعودة السكان، وتمسكها بوجود عسكري طويل الأمد.

الاحتلال لا يقدّم أي التزامات صريحة بشأن الانسحاب الكامل، ولا يعطي ضمانات واضحة بشأن فتح المعابر أو عودة الخدمات، ويصر على احتفاظه بحق التدخل متى شاء بذريعة “الأمن”، وهو ما يفرغ فكرة “وقف إطلاق النار” من معناها، ويجعلها مجرد هدنة تُمكّن الاحتلال من تثبيت احتلاله بهدوء، لا إنهائه.

وفي الوقت ذاته، ترفض المقاومة الفلسطينية هذه الخرائط وتعتبرها تجاوزًا للخطوط الحمراء، لكونها تُعيد ترسيخ الاحتلال وتفتح الباب أمام كارثة إنسانية وسياسية لا يمكن تحمل تبعاتها. فقد سبق وأن رفضت الفصائل أي حل لا يتضمن انسحابًا كاملاً وعودة النازحين إلى ديارهم.

خاتمة: خريطة الاحتلال.. وثيقة إدانة لا مقترح سلام

الخريطة التي قدمها الاحتلال في مفاوضات الدوحة لا تصلح لأن تكون أساسًا لأي تهدئة، بل هي وثيقة إدانة واضحة تكشف عن نوايا تطهير عرقي جديدة تُمارس تحت غطاء “إعادة الانتشار”. وهي دليل إضافي على أن الاحتلال لا يفاوض من أجل السلام، بل من أجل إعادة تصميم الواقع لصالح مشروعه الاستيطاني والعسكري.

أمام هذه المعطيات، لا يمكن النظر إلى مفاوضات الدوحة باعتبارها مسارًا لإنهاء الحرب فقط، بل يجب التعامل معها باعتبارها ساحة أخرى لمعركة سياسية، عنوانها الحقيقي: هل تنتصر إرادة الفلسطينيين في البقاء والعودة، أم يُفرض عليهم واقع جديد بالخرائط والابتزاز الإنساني؟

اقرأ أيضًا : المدينة الإنسانية.. قناع جديد لمحرقة غزة؟