في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الهش، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، قصفها المكثف على مناطق متفرقة من قطاع غزة، مستهدفة رفح وخان يونس ومدينة غزة، في تصعيد ميداني يهدد بانهيار الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة دولية قبل أسابيع قليلة. وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن عشرات الشهداء والجرحى، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من عودة الحرب الشاملة على القطاع.

تصعيد دموي يطال المدنيين
ذكرت مصادر طبية في مستشفيات غزة أن 41 فلسطينيا استشهدوا، بينهم 17 طفلاً، وأصيب أكثر من 50 آخرين في سلسلة غارات استهدفت مناطق سكنية في رفح وخان يونس ومدينة غزة. وأعلن مجمع ناصر الطبي في خان يونس استشهاد طفل في قصف استهدف شقة سكنية بحي الأمل شمال غرب المدينة، فيما استشهد ثلاثة آخرون –بينهم طفلة– في غارة على منزل بمنطقة اليرموك وسط غزة. كما تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال أربع جثث أخرى من تحت أنقاض منزل لعائلة البنا في حي الصبرة بعد ساعات من القصف.
شهود عيان تحدثوا عن مشاهد مروعة في محيط المناطق المستهدفة، حيث تتناثر الجثث والركام في الشوارع، فيما تعاني فرق الإنقاذ من صعوبات كبيرة في الوصول إلى العالقين بسبب استمرار القصف وتحليق الطائرات الحربية الإسرائيلية بكثافة في أجواء القطاع. وقال أحد عناصر الدفاع المدني: “نواجه نقصاً حاداً في المعدات والوقود، ونخاطر بحياتنا في كل لحظة لإخراج الأطفال والنساء من تحت الأنقاض.”
رسائل نارية من تل أبيب
رغم التصعيد العسكري، حاولت إسرائيل تبرير غاراتها بأنها “إجراءات وقائية لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار”، بحسب ما نقلته القناة 12 العبرية عن مسؤول رفيع في الحكومة الإسرائيلية. وقال المصدر إن “الضربات لا تهدف إلى انهيار الهدنة، بل إلى تأكيد جدية إسرائيل في الرد على أي خرق”، مضيفاً أن حركة حماس “يجب أن تخاف من عودة الحرب إن لم تلتزم بشروط الاتفاق”.
وفي المقابل، كشفت القناة ذاتها أن مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب مارسوا ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتجنب ردود فعل مفرطة قد تفجر الهدنة الهشة، مع اقتراح توجيه إنذار أميركي صارم لحركة حماس بدلاً من التصعيد الميداني. وتأتي هذه التطورات وسط تباين في مواقف القيادة الإسرائيلية، حيث يطالب وزراء اليمين المتطرف بعمليات “ردع حاسمة”، بينما يدعو آخرون إلى ضبط النفس للحفاظ على الدعم الأميركي والدولي للهدنة.
تنديد دولي وتحذيرات من الانفجار
الهجمات الإسرائيلية الأخيرة أثارت موجة تنديد واسعة، إذ أدانت وزارة الخارجية التركية بشدة الغارات ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار القائم بين حماس وتل أبيب”، محذرة من أن استمرار هذه الخروقات سيعيد المنطقة إلى دوامة العنف. ودعت أنقرة المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لمنع انهيار الهدنة وحماية المدنيين، مؤكدة أن “التزام الطرفين بالاتفاق هو السبيل الوحيد لتثبيت الاستقرار في غزة”.
وفي السياق ذاته، حذرت الأمم المتحدة من “كارثة إنسانية وشيكة” في حال تجدد القتال على نطاق واسع، مشيرة إلى أن البنية التحتية في القطاع لم تتعافَ بعد من الحرب السابقة، وأن المستشفيات تعمل بأقل من 30% من طاقتها. كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن “قلقه العميق” من التصعيد، داعياً إسرائيل إلى احترام القانون الدولي الإنساني وتجنب استهداف المدنيين.
موقف المقاومة وتحركات القسام
من جانبها، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، تأجيل تسليم جثة أسير إسرائيلي كانت قد عثرت عليها في نفق بخان يونس، مشيرة إلى أن “العدوان الإسرائيلي المتكرر يعرقل عمليات البحث وانتشال الجثامين”. وأكدت الحركة في بيان أن “استمرار الخروقات الإسرائيلية يعني أن الاحتلال وحده يتحمل مسؤولية انهيار الهدنة وما سيترتب عليها من تصعيد”.
وأكدت مصادر قريبة من المقاومة أن الفصائل الفلسطينية وضعت قواتها في “حالة تأهب قصوى”، استعداداً لأي تطور ميداني محتمل، مع إبقاء الاتصالات مفتوحة مع الوسطاء في الدوحة والقاهرة لمحاولة احتواء الأزمة. كما لوّحت فصائل أخرى بأن الرد على الخروقات “لن يكون سياسياً فقط، بل قد يتخذ شكلاً ميدانياً إذا استمرت الاعتداءات على المدنيين”.
واشنطن بين الدعم والقلق
وفي تصريح لافت، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن “الولايات المتحدة تتوقع رداً إسرائيلياً بعد الهجوم الذي استهدف جندياً داخل غزة”، لكنه شدد على أن “وقف إطلاق النار لا يزال قائماً حتى الآن”. ويعكس هذا الموقف المزدوج الحذر الأميركي من انهيار الهدنة، في وقت يسعى فيه البيت الأبيض إلى تثبيت حالة الهدوء لتجنب اندلاع جولة جديدة من القتال في عام انتخابي حساس.
مصادر دبلوماسية تحدثت عن اتصالات مكثفة بين واشنطن وتل أبيب خلال الساعات الماضية، تضمنت تحذيرات من أن “أي تصعيد واسع قد يقوّض خطة إعادة الإعمار ويضعف الموقف الإسرائيلي أمام الرأي العام العالمي”.
خاتمة: هدنة على شفا الانفجار
مع استمرار الغارات على رفح وغزة وخان يونس وسقوط عشرات الشهداء، يبدو أن الهدنة التي رُوّج لها كفرصة لالتقاط الأنفاس أصبحت مهددة بالانهيار الكامل. فبين ضغوط إسرائيلية داخلية، وتردد أميركي، وغضب فلسطيني متصاعد، يبقى المدنيون وحدهم الضحايا الدائمون في حرب لا يبدو أن نهايتها قريبة. وبينما تتجه الأنظار إلى الوسطاء الدوليين لإنقاذ الاتفاق، يخشى كثيرون أن يكون التصعيد الحالي بداية مرحلة جديدة من الدم والنار في غزة المنهكة.
اقرأ أيضًا : بين رصاص الاحتلال و”عمالة عباس”.. جنين تدفع الثمن من دم مقاوميها