كشفت هيئة البث العبرية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن حركة المقاومة الإسلامية حماس أبدت تحفظات على خريطة الانسحاب التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن خطته لوقف الحرب في قطاع غزة، معتبرةً أن البنود التي تتعلق بخطوط الانسحاب تشوبها ضبابية متعمدة تصبّ في مصلحة الاحتلال.
وتُعدّ خريطة الانسحاب، وفق المصادر ذاتها، إحدى ثلاث نقاط خلافية رئيسية في المفاوضات الجارية، إلى جانب مسألة نزع سلاح الحركة تدريجيًا، وربط إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين بشروط إسرائيلية جديدة. وترى حماس أن هذه البنود الثلاثة تحمل في جوهرها محاولات لفرض وقائع أمنية على الأرض تحت غطاء التسوية السياسية.
من جانبه، يصرّ ترامب على المضي قدماً في تنفيذ خطته كما هي، مؤكداً في تصريحات له السبت أن وقف إطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ فور موافقة حماس على “خط الانسحاب الأولي”، وأن إسرائيل وافقت بالفعل على هذا الخط بعد مفاوضات طويلة. كما أوضح أن عملية تبادل الأسرى ستجري بالتزامن مع بدء سريان الهدنة، في حين تشير مصادر إسرائيلية إلى أن هذا الشرط يهدف إلى إحراج حماس وإظهارها كطرف معرقل لعملية السلام.
وبينما تؤكد واشنطن تمسكها بالخطة، تعتقد أوساط فلسطينية أن الإدارة الأمريكية تحاول تثبيت “وقف إطلاق نار مشروط” دون إنهاء الاحتلال فعليًا، وأن ما يُسمّى بـ”الانسحاب” ليس سوى إعادة انتشار عسكري جزئي يضمن لإسرائيل السيطرة الميدانية على نقاط محورية داخل القطاع.
نقاط البقاء الإسرائيلية.. احتلال بثوب جديد
في سياق متصل، ذكرت هيئة البث العبرية أن إسرائيل تخطط للإبقاء على وجود عسكري طويل الأمد في ثلاث نقاط استراتيجية داخل قطاع غزة وحوله، حتى بعد تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وبدء الانسحاب التدريجي. هذه النقاط تشمل:
- منطقة عازلة داخل حدود القطاع، لم يُعلن عن عمقها أو مساحتها بعد، لكنها ستُقام تحت ذريعة “منع التسلل وحماية الحدود”.
- محور فيلادلفيا على الحدود المصرية، الذي تعتبره إسرائيل شريانًا حيويًا للسيطرة على حركة البضائع والسلاح بين غزة وسيناء.
- تلة المنطار (تلة الـ70) شرق حي الشجاعية، التي تُعد موقعًا إستراتيجيًا يمنح تفوقًا بصريًا وناريًا على مدينة غزة ومخيم جباليا.
وبحسب المصادر الإسرائيلية، فإن هذه المواقع الثلاثة “ضرورية لأمن إسرائيل” لأنها تمنحها قدرة على المراقبة والتحكم، فيما عبّرت واشنطن عن “تفهمها” لهذه الضرورات الأمنية، في ما يُعدّ تبريرًا ضمنيًا لبقاء الاحتلال في مواقع سيادية داخل القطاع، رغم الحديث الأمريكي عن “انسحاب كامل”.
ويرى مراقبون أن هذا البقاء العسكري، ولو تحت مسمى “مؤقت”، يمثل التفافًا واضحًا على جوهر أي اتفاق تهدئة، ويحوّل غزة إلى منطقة مراقبة أمنية خاضعة لإشراف إسرائيلي غير مباشر، بما ينسف مبدأ السيادة الفلسطينية.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي سيبدأ انسحابه المزعوم بعد استعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين، ليبقى بعدها مؤقتًا على “الخط الأصفر” داخل القطاع، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى “الخط الأحمر” بالتزامن مع دخول قوات أجنبية تعمل بتفويض أمريكي لإدارة الأمن. لكن في المرحلة النهائية، سيبقى الاحتلال مسيطرًا على المحور الحدودي والتلة الإستراتيجية، بدعوى “منع أي تهديدات مستقبلية”.
القاهرة وواشنطن على خطّ التهدئة
في موازاة ذلك، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها ستستضيف الاثنين وفدين من حماس والاحتلال الإسرائيلي في مدينة شرم الشيخ، لبحث ترتيبات تبادل الأسرى وفق مقترح ترامب، ولبحث تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة.
وأكد مصدر دبلوماسي مصري أن وفد حماس سيصل من الدوحة للمشاركة في المحادثات، كما سيتوجه وفد قطري رفيع المستوى إلى مصر، في إطار الجهود العربية لتسهيل التفاهمات.
وفي واشنطن، قال مسؤول في البيت الأبيض إن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، سيتوجهان إلى مصر للإشراف على بدء المحادثات، ما يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في إحكام السيطرة على مجريات التفاوض وضمان عدم انحرافها عن الرؤية الأمريكية.
ويرى محللون أن القاهرة تجد نفسها أمام معادلة معقدة، إذ تحاول الحفاظ على دور الوسيط الإقليمي دون أن تظهر كمنفّذٍ لإملاءات واشنطن أو راعٍ لبقاء الاحتلال داخل غزة. أما قطر، فتركز على ضمان صفقة الأسرى ضمن ترتيبات إنسانية تتيح هدنة طويلة الأمد دون المساس بحقوق الفلسطينيين.
خريطة الخداع.. “الانسحاب” الذي لا ينسحب
تؤكد التحليلات أن ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج للاحتلال بأشكال جديدة. فالحديث عن “انسحاب تدريجي” يتناقض مع نية إسرائيل البقاء في مواقعها الاستراتيجية، ومع دعم أمريكي واضح لتلك الخطة. ويعيد هذا السيناريو إلى الأذهان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، حين أبقت على “شريط أمني” بحجة الحماية، قبل أن تُجبر على الانسحاب الكامل تحت ضغط المقاومة.
اليوم، تحاول إسرائيل إعادة التجربة داخل غزة، ولكن بثوب مختلف. فـ”الخطوط الصفراء والحمراء” ليست سوى مراحل زمنية مدروسة لتجميد الاحتلال لا إنهائه. أما خريطة ترامب، فهي –بحسب مراقبين فلسطينيين– “خريطة خداع” تهدف إلى تثبيت واقع أمني جديد يُشرعن استمرار الاحتلال بذريعة محاربة الإرهاب.
ومع اقتراب محادثات شرم الشيخ، يبدو أن المأزق الحقيقي يكمن في غدر الاحتلال، الذي لم يحترم اتفاقًا يومًا، من أوسلو إلى التهدئة الأخيرة. ولذلك، تتعامل حماس بحذر شديد، مدركةً أن الخطر ليس في البنود المعلنة فحسب، بل في التفاصيل المخفية خلف “خريطة الانسحاب” التي قد تتحول إلى خريطة دائمة للاحتلال المقنّع.
اقرأ أيضًا : السيسي.. من توقيعه على وثيقة العطش إلى فيضان المنوفية: كيف ضيّع نهر النيل وترك المصريين بين الغرق والعطش