في تصعيد دبلوماسي لافت يعكس عمق الأزمة السودانية وتشعباتها الإقليمية، أدانت وزارة الخارجية السودانية بشدة استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني لقائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، معتبرة الخطوة “مساندة مباشرة لجرائم الإبادة الجماعية”، ودعماً سياسياً وإعلامياً لتحركات تقف خلفها دولة الإمارات، وفق اتهامات سودانية متكررة، في محاولة لإعادة تدوير الميليشيا إقليمياً ومنحها غطاءً سياسياً رغم سجلها الحافل بالانتهاكات.

وأكدت الخرطوم أن هذا الاستقبال لا يمكن فصله عن شبكة الدعم الإقليمي التي توفرها أبوظبي لميليشيا الدعم السريع، سواء عبر التمويل أو الدعم اللوجستي أو التحركات الدبلوماسية غير المباشرة، بهدف فرض أمر واقع جديد في السودان على حساب الدولة ومؤسساتها الشرعية.

إدانة رسمية وتحذير من “تطبيع الميليشيا”

في بيان رسمي، اعتبرت وزارة الخارجية السودانية أن استقبال حميدتي يمثل “خطوة غير مسبوقة” تتنافى مع مبادئ حسن الجوار والالتزامات الإقليمية، خاصة في ظل استمرار ميليشيا الدعم السريع في ارتكاب جرائم واسعة بحق المدنيين.

وأكد البيان أن ما تقوم به أوغندا يضرب عرض الحائط بالقيم الإنسانية والقانون الدولي، ويمنح شرعية سياسية لقوة متمردة متورطة في جرائم موثقة، من بينها القتل الجماعي، والتهجير القسري، والاعتداء على المنشآت المدنية، خاصة في إقليم دارفور ومناطق واسعة من البلاد.

وشددت الخارجية على أن هذا الاستقبال يعكس توجهاً خطيراً نحو “تطبيع الميليشيا”، بدعم إماراتي غير معلن، في استمرار لمحاولات تلميع صورتها خارجياً رغم فشلها داخلياً.

الدور الإماراتي في إعادة تدوير ميليشيا الدعم السريع

لا تنظر الخرطوم إلى تحركات حميدتي الإقليمية باعتبارها جهوداً فردية، بل تراها جزءاً من استراتيجية أوسع تقودها دولة الإمارات لإعادة تسويق ميليشيا الدعم السريع بوصفها “طرفاً سياسياً” قابلاً للتفاوض، رغم سجلها الدموي.

وخلال السنوات الماضية، وُجهت اتهامات متكررة لأبوظبي بتقديم دعم مالي وتسليحي ولوجستي للميليشيا، إضافة إلى تسهيل تحركات قادتها في عدد من العواصم الإفريقية، في محاولة لخلق شبكة علاقات إقليمية موازية للدولة السودانية.

ويرى مراقبون أن استقبال حميدتي في كمبالا ينسجم مع هذا التوجه الإماراتي، ويهدف إلى منح الميليشيا منصة جديدة للتحرك السياسي، وإضعاف الموقف الرسمي السوداني في المحافل الدولية.

أوغندا بين الوساطة والانحياز السياسي

من جانبها، بررت أوغندا اللقاء بدعوتها إلى “الحوار والحل السياسي”، معتبرة أن الاستقرار في السودان لا يتحقق إلا عبر التفاوض. غير أن هذا التبرير لم يقنع الخرطوم، التي رأت فيه انحيازاً واضحاً لصالح ميليشيا الدعم السريع، وتجاهلاً لمعاناة ملايين المدنيين.

وأكدت الخارجية السودانية أن لأي دولة حقاً سيادياً في إدارة علاقاتها، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن هذا الحق لا يبرر دعم جماعات متمردة أو منحها شرعية سياسية.

ويخشى السودان أن تتحول أوغندا، بفعل هذا الموقف، إلى منصة دبلوماسية جديدة لتحركات الميليشيا المدعومة إماراتياً، بما يوسع دائرة التدخل الإقليمي في الأزمة.

سجل دموي وجرائم موثقة بحق المدنيين

منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023، تتهم السلطات السودانية ومنظمات حقوقية ميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم واسعة، شملت المجازر الجماعية، والاعتداءات الجنسية، وتدمير القرى، ونهب الممتلكات، واستهداف المستشفيات ومرافق الإغاثة.

وأسهمت هذه الانتهاكات في تفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني الملايين من الجوع والنزوح، فيما فقد عشرات الآلاف حياتهم جراء القتال والعنف المباشر.

ورغم ذلك، تحاول الميليشيا، بدعم إماراتي واضح، تقديم نفسها كقوة “حامية للمدنيين”، في خطاب إعلامي يتناقض كلياً مع الوقائع الميدانية.

أبعاد سياسية ورسائل إقليمية مقلقة

يحمل استقبال حميدتي في أوغندا رسائل سياسية تتجاوز البعد الثنائي، إذ يعكس سعي بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، إلى فرض مسار سياسي يخدم مصالحها، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة السودان واستقراره.

وترى الخرطوم أن هذه التحركات تستهدف إضعاف الجيش السوداني، وتشتيت الموقف الرسمي، وفتح المجال أمام تسويات غير عادلة تُبقي الميليشيا لاعباً رئيسياً في المشهد.

كما تخشى الحكومة من أن يشجع هذا السلوك دولاً أخرى على السير في المسار نفسه، ما يهدد بتحويل الأزمة السودانية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

السودان يتمسك بالشرعية ويرفض أي تسويات مفروضة

في ختام بيانها، أكدت الخارجية السودانية أن الحكومة لن تسمح باستخدام أراضي الدول الشقيقة أو الصديقة لدعم ميليشيا الدعم السريع، أو تمرير مشاريع سياسية تهدف إلى شرعنة التمرد.

وشددت على تمسكها بالحل السياسي القائم على وحدة الدولة، ومحاسبة المتورطين في الجرائم، ورفض أي تسوية تُفرض من الخارج بدعم إماراتي أو إقليمي.

ويعكس هذا الموقف إصرار الخرطوم على مواجهة محاولات إعادة تدوير الميليشيا، وعلى فضح شبكات الدعم التي تقف خلفها، باعتبارها جزءاً أساسياً من استمرار الحرب وإطالة معاناة الشعب السوداني.

اقرأ أيضًا : “محتال عالمي” وشبكة مظلمة تمتد للإمارات: شهادة ويكسنر تعيد فتح ملف إبستين المريب