بقلم/ محمود الدمنهوري
قبل أقل من عقد، كانت مصر تُقدَّم كنموذج عربي في اكتشافات الغاز العملاقة، خاصة بعد حقل “ظُهر” الذي اعتُبر نقطة تحول نحو الاكتفاء الذاتي بل والتصدير. لكن في مشهد يعكس فشل الإدارة وتبديد الموارد، وجدت القاهرة نفسها في موقع المستورد للغاز الإسرائيلي بكميات قياسية وبصفقات طويلة الأمد حتى عام 2040، في خطوة اعتبرها مراقبون “خيانة وطنية” تمثل رهن قطاع الطاقة المصري بيد الاحتلال.

2005: بداية التصدير لإسرائيل رغم المعارضة الشعبية
في عام 2005، وُقعت اتفاقية مثيرة للجدل لتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز المصري إلى إسرائيل لمدة 20 عامًا.
- خط الأنابيب: يمتد 100 كيلومتر من العريش بسيناء إلى عسقلان جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة.
- الجهات المشاركة: شركة غاز شرق المتوسط المملوكة بنسبة كبيرة لرجل الأعمال حسين سالم، بالشراكة مع مجموعة “ميرهاف” الإسرائيلية، وشركة “أمبال” الأمريكية الإسرائيلية، وشركة بي تي تي التايلندية، والمستثمر الأمريكي سام زيل.
ورغم أن المحكمة المصرية قضت في نوفمبر 2008 بوقف التصدير، فإن الحكومة تجاهلت الحكم، بل وواصلت البيع بأسعار أقل من السوق العالمية، ما أثار غضباً واسعاً.
2010: أزمات الغاز والكهرباء تكشف التناقض
في الأشهر الأولى من 2010، عانى المصريون من نقص أسطوانات الغاز وارتفاع أسعارها، بالتزامن مع استمرار التصدير لإسرائيل. وفي صيف العام نفسه، شهدت البلاد انقطاعات متكررة للكهرباء، إذ ألقت وزارة الكهرباء باللوم على وزارة البترول لتقليص إمدادات الغاز لمحطات التوليد.
هذا التناقض الفج — تصدير الغاز بأسعار زهيدة بينما الشعب يواجه أزمات الطاقة — مثّل بداية الغضب الشعبي الذي ربط ملف الطاقة بفساد النظام.
2017–2018: حقل “ظُهر” وبوادر الاكتفاء الذاتي
في ديسمبر 2017، بدأ الإنتاج من حقل “ظُهر” الذي اعتُبر أكبر اكتشاف غازي في البحر المتوسط، بقدرة إنتاجية بلغت 3 مليارات قدم مكعب يومياً.
وفي فبراير 2018، وبينما كان الخطاب الرسمي يتحدث عن الاكتفاء الذاتي، جرى توقيع صفقة لاستيراد الغاز من إسرائيل بقيمة 15 مليار دولار، بين شركتي “نوبل إينرجي” (التي استحوذت عليها لاحقًا شيفرون) و”ديليك دريلينغ” الإسرائيلية من جهة، وشركة “دولفينوس” المصرية من جهة أخرى.
2020: بدء الاستيراد من الاحتلال
في يناير 2020، دخلت الصفقة حيز التنفيذ، لتصبح مصر — التي كانت تصدر الغاز لتل أبيب — أكبر مشترٍ للغاز الإسرائيلي، بزعم إعادة التسييل والتصدير لأوروبا.
لكن هذا التحول تزامن مع مؤشرات على تراجع إنتاج “ظُهر” وعدم الإعلان عن اكتشافات جديدة بحجم مماثل.
2023: تراجع الإنتاج المحلي وخطة “تخفيف الأحمال”
بحلول 2023، انخفض إنتاج الغاز في مصر إلى نحو ملياري قدم مكعب يومياً، ما أجبر الحكومة على تنفيذ خطة “تخفيف الأحمال” — أي قطع الكهرباء عن مناطق مختلفة لمدة ساعة إلى ثلاث ساعات يومياً — بحجة توفير الغاز لمحطات التوليد.
هذا التراجع ترافق مع حاجة ملحّة لتلبية الطلب المحلي المتزايد، ما دفع القاهرة إلى تعديل صفقة الغاز مع إسرائيل لزيادة الكميات المستوردة إلى 130 مليار متر مكعب بقيمة 35 مليار دولار، وتمديد فترة التوريد حتى عام 2040.
أكتوبر 2023: حرب غزة وانقطاع الإمدادات
مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تراجعت صادرات الغاز الإسرائيلية لمصر بنسبة 26%، وانقطعت كلياً في بعض الفترات، بحجة “عدم الاستقرار الأمني”. هذا الانقطاع كشف هشاشة اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي، وأثر مباشرة على خطط التصدير لأوروبا.
الخسارة الاستراتيجية والارتهان السياسي
تحول مصر من مُصدّر إلى مستورد في أقل من عقد يعكس:
- سوء التخطيط وإدارة الموارد: غياب خطط استكشاف جديدة وتقادم الحقول القائمة.
- التبعية للطاقة الإسرائيلية: ما يمنح تل أبيب ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد المصري.
- التأثير على الأمن القومي: رهن قطاع حيوي بيد دولة معادية تاريخياً، في ظل صراع عربي–إسرائيلي مستمر.
- البُعد السياسي: هذه الصفقات لم تكن مجرد اتفاقيات اقتصادية، بل جسور تطبيع اقتصادي تخدم أجندات إقليمية على حساب السيادة الوطنية.
الخاتمة: خيانة بعقود طويلة الأمد
صفقات الغاز الأخيرة ليست مجرد نتيجة لأزمة طاقة، بل حلقة جديدة في مسار تنازلي بدأ مع صفقات التصدير في عهد مبارك، وتعمّق في عهد السيسي.
إن تمديد التوريد حتى 2040 يعني أن أجيالاً كاملة ستعيش في ظل ارتهان اقتصادي وسياسي لإسرائيل، في وقت كان يمكن فيه استثمار الموارد والاكتشافات لتحقيق اكتفاء ذاتي حقيقي.
هذا المسار، الذي بدأ من تصدير الغاز بأسعار بخسة وصولاً إلى شراء الغاز الإسرائيلي بأسعار مرتفعة، يصفه منتقدون بأنه “خيانة وطنية مكتملة الأركان” تُحمّل النظام مسؤولية التفريط في أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري.
اقرأ أيضًا : لماذا يصرّ المجتمع الدولي على “الإسقاط الجوي” رغم علمه بعبثيته؟