بقلم / محمود الحسيني 

في الوقت الذي يواجه فيه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة خطر المجاعة والانهيار الصحي الشامل، تُصرّ بعض الحكومات الغربية والمنظمات الدولية على الترويج لعمليات الإسقاط الجوي للمساعدات، وكأنها إنجاز إنساني أو استجابة عاجلة للأزمة.

لكن، أليست الحقيقة أن هذه العمليات ليست سوى محاولة مكشوفة لتنفيس الضغط الشعبي والسياسي على المجتمع الدولي، وتبرير تقاعسه عن اتخاذ الخطوة الجوهرية والوحيدة القادرة على إنقاذ الأرواح: فتح المعابر البرية بشكل كامل ودائم؟

منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، عبر المتحدث باسمها جيمس إيلدر، لم تُخفِ شكوكها، بل تساءلت بوضوح عن الفرق الذي أحدثته هذه العمليات على الأرض. إيلدر وصف الأمر بأنه مجرد تشتيت لتقليل الضغط على المجتمع الدولي، في وقت يتواصل فيه الحصار الإسرائيلي الخانق منذ شهور، مانعًا دخول الإمدادات الأساسية، وسط صمت غربي يثير الريبة حول النوايا الحقيقية وراء هذه المشاهد الاستعراضية.

 

رمزية عبثية وتكلفة باهظة

الانتقادات لم تأتِ من منظمات فلسطينية أو عربية فقط، بل صدرت من مؤسسات إغاثية دولية عريقة. منسق الطوارئ الإقليمي في منظمة “أطباء بلا حدود”، يان فيتو، وصف الإسقاط الجوي بأنه “مبادرة عبثية تفوح منها رائحة السخرية”. أما مركز العمل الإنساني للأبحاث (CHA) في برلين فذهب أبعد من ذلك، حين نعت هذه العمليات بأنها “الجسر الجوي الأكثر عبثًا في التاريخ”، موضحًا أن تكلفتها تزيد بـ35 مرة عن تكلفة إدخال المساعدات عبر القوافل البرية.

مارفن فورديرر، خبير مساعدات الطوارئ في الجمعية الألمانية لمكافحة الجوع، كشف جانبًا آخر من الفشل، مؤكدًا أن الطرود تُلقى في مناطق شديدة الخطورة، من دون تنسيق أو تحديد دقيق، ما يجعلها عرضة للضياع أو للوقوع في أيدي جماعات غير مستحقة، أو حتى تُستخدم في السوق السوداء. النتيجة؟ صورٌ وفيديوهات لطرود تتناثر في الشوارع أو فوق أسطح المنازل، وبعضها يسقط في البحر، بينما يبقى الجائعون بلا غذاء حقيقي.

خطر على المدنيين بدل إنقاذهم

المفوض العام لوكالة “الأونروا”، فيليبي لازاريني، حذّر من أن هذه العمليات ليست فقط باهظة وضعيفة التأثير، بل قد تتسبب في قتل مدنيين جائعين يتدافعون للحصول على الطرود. هذا التحذير لم يكن نظريًا، فقد وثّقت تقارير إعلامية إصابات خطيرة، بينها حالات دخول المستشفى، بسبب سقوط الطرود على رؤوس المدنيين أو فوق خيامهم الهشّة.

منظمة “أطباء بلا حدود” أكدت أن ما يُلقى من الجو لا يلبي حتى الحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية، وأن غياب البنية التنسيقية والأمنية يجعل الأمر أشبه بإلقاء الفتات في صحراء قاحلة، بدلًا من تقديم غذاء منظم ومستدام. وفي المقابل، تُصرّ سلطات الاحتلال على تقنين مرور الشاحنات عبر معبر كرم أبو سالم، الذي لا يُسمح بفتحه إلا وفق شروط أمنية وسياسية صارمة، ما يحوّل الغذاء والدواء إلى أوراق مساومة في لعبة سياسية قاسية.

تواطؤ دولي وصمت غربي

هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يقبل المجتمع الدولي، وبالأخص الحكومات الغربية، بهذا السيناريو العبثي؟ الجواب يكمن في رغبة هذه الدول في الظهور بمظهر الفاعل الإنساني، من دون الدخول في مواجهة سياسية مع إسرائيل أو الضغط الجاد عليها لرفع الحصار. الإسقاط الجوي يوفّر لهذه الحكومات صورًا يمكن بثها على وسائل الإعلام، لتقول لشعوبها إنها “تفعل شيئًا”، بينما الحقيقة أنها تغطي على استمرار الجريمة.

التواطؤ لا يقتصر على الصمت، بل يتجلى في إعادة تعريف الأزمة لتبدو وكأنها كارثة طبيعية تحتاج فقط إلى “مساعدات إغاثية عاجلة”، بدل الاعتراف بأنها نتيجة مباشرة لحصار عسكري وسياسات عقابية تستهدف المدنيين. هذا الخطاب يخدم إسرائيل، التي تسعى لإبقاء النقاش الدولي في إطار “المساعدات” بدل مساءلة الحصار نفسه كجريمة حرب.

الطريق الحقيقي للحل

جميع المنظمات الجادة في العمل الإنساني، من “الأونروا” إلى “أطباء بلا حدود”، تتفق على أن الحل ليس في السماء بل على الأرض. فتح المعابر البرية بشكل عاجل ومن دون قيود، والسماح بدخول ما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا من الغذاء والدواء والوقود، هو الإجراء العملي الوحيد الكفيل بمنع المجاعة ووقف الانهيار الصحي. أي محاولة للالتفاف على هذا المطلب عبر الإسقاط الجوي، أو تحميل المسؤولية للطقس أو العقبات اللوجستية، ليست سوى مساهمة في إطالة أمد الكارثة.

خاتمة

الإسقاط الجوي قد يملأ نشرات الأخبار بالصور المثيرة، لكنه لا يملأ بطون الجائعين. إنه سياسة رمزية تخدم التوازنات السياسية للدول الكبرى أكثر مما تخدم الأطفال والنساء المحاصرين في غزة. وبينما يزداد عدد القتلى والمرضى والجوعى، يبقى المجتمع الدولي متفرجًا، مكتفيًا بإلقاء الفتات من السماء، في حين يملك مفاتيح الحل الحقيقي على الأرض.

الحقيقة المؤلمة أن هذه “المسرحية الإنسانية” لن تنقذ غزة، بل تمنح الحصار شرعية جديدة تحت غطاء المساعدات، ما لم يتحرك العالم لفرض فتح المعابر ووقف الجريمة المستمرة بحق شعب بأكمله.

اقرأ أيضًا : إيران بين الصدمة والاستعداد: معالم التحول بعد “حرب الـ12 يوما”