في مشهد يعكس استمرار النهج الدموي لقوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، شهدت المدينة خلال الساعات الأخيرة واحدة من أعنف موجات القصف والتدمير منذ بدء العدوان في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في محاولة لإجبار أكبر عدد ممكن من السكان على النزوح القسري نحو وسط القطاع وجنوبه. 

وبينما تتواصل التفجيرات العشوائية التي تستهدف الأحياء المكتظة، تتراكم أعداد الضحايا في ظل عجز شبه كامل لطواقم الإنقاذ والإسعاف عن الوصول إلى المصابين تحت الركام.

 

تصعيد مروّع.. تدمير أحياء بأكملها لإفراغها من سكانها

كثّفت قوات الاحتلال قصفها الجوي والمدفعي على عدة مناطق في مدينة غزة، وخصوصًا أحياء الصبرة والزيتون جنوب المدينة، حيث استخدمت أسلوبًا جديدًا قائمًا على تفجير “روبوتات مفخخة” محملة بعشرات الأطنان من المتفجرات شديدة الانفجار، بهدف تسوية المباني بالأرض.
وقد أسفر هذا الأسلوب عن نسف عشرات المنازل دفعة واحدة، وتدمير واسع للبنى التحتية من شبكات مياه وصرف صحي وكهرباء وطرقات، مما جعل الأحياء المستهدفة مناطق غير قابلة للحياة وأجبر آلاف العائلات على الفرار في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الاحتلال تعمدت ضرب محاور الطرق الرئيسية المؤدية إلى وسط وجنوب القطاع، ما يفاقم معاناة السكان الفارين، ويُعطل وصول سيارات الإسعاف والدفاع المدني إلى مناطق القصف. ويصف ناشطون هذا النهج بأنه “سياسة الأرض المحروقة” الرامية إلى تفريغ شمال غزة بالكامل من سكانه عبر الرعب والمجازر المتتالية.

 حصيلة دامية.. عشرات الشهداء وآلاف الجرحى يوميًا

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 64,871 شهيدًا و 164,610 جريحًا منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مؤكدة أن هذه الأرقام لا تشمل مئات الضحايا الذين ما زالوا تحت الأنقاض أو في الطرقات، حيث تعجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم بفعل القصف المتواصل وانعدام الممرات الآمنة.

وخلال الساعات الـ24 الماضية فقط، وصلت إلى المستشفيات جثامين 68 شهيدًا و346 جريحًا، معظمهم من النساء والأطفال الذين كانوا داخل منازلهم لحظة استهدافها. كما كشفت الوزارة عن استشهاد 10 فلسطينيين وإصابة 8 آخرين أثناء محاولتهم جلب المساعدات الغذائية، ما يرفع حصيلة “شهداء لقمة العيش” إلى 2,494 شهيدًا وأكثر من 18,135 مصابًا منذ بدء العدوان.

وفي تطور مأساوي يعكس البعد الإبادي للحصار المفروض على القطاع، سجلت المستشفيات خلال الساعات الماضية حالتَي وفاة جديدتين جراء المجاعة وسوء التغذية، ليرتفع عدد الشهداء بسبب الجوع إلى 422 بينهم 145 طفلًا، في وقت تعاني فيه المستشفيات من انهيار شبه كامل ونفاد الإمدادات الطبية والغذائية.

 كارثة إنسانية متفاقمة.. وغياب الإرادة الدولية

المشهد الإنساني في غزة يزداد قتامة مع كل ساعة تمر، إذ تؤكد تقارير ميدانية أن مئات آلاف المدنيين يفتقرون للمياه الصالحة للشرب والطعام والدواء، فيما تتكدس الجثث في الشوارع والمنازل المدمرة وسط صعوبة دفنها بسبب القصف المتواصل وانعدام وسائل النقل.
كما تفيد مصادر طبية بأن بعض المصابين يموتون على أبواب المستشفيات لعدم وجود أسرّة أو طواقم طبية كافية، في حين يعمل الأطباء المتبقون في ظروف تفوق طاقتهم البشرية.

ورغم ضخامة المأساة، لا تزال الاستجابة الدولية ضعيفة للغاية، وسط عجز الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية عن إدخال المساعدات بالقدر الكافي بسبب القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على المعابر. ويرى محللون أن هذا الصمت الدولي يوفر غطاءً سياسيا ضمنيًا لمواصلة جرائم الحرب والتطهير العرقي التي يتعرض لها سكان غزة منذ قرابة عامين.

خلاصة: إبادة ممنهجة تحت غطاء الصمت

تؤكد الوقائع الميدانية أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد حرب تقليدية، بل عملية إبادة ممنهجة تستهدف المدنيين بشكل مباشر، عبر القصف الوحشي والتجويع والحصار الشامل، في محاولة لفرض نزوح جماعي يغيّر الواقع الديمغرافي للقطاع بالقوة.
ومع استمرار ارتفاع أعداد الشهداء، يصبح من الواضح أن الاحتلال يستخدم كل أدوات التدمير لإفراغ غزة من سكانها، في جريمة موثقة الأركان تجري أمام أعين العالم دون تحرك فعّال لوقفها.

اقرأ أيضًا : رغم تخريب الإمارات .. الحكومة السودانية ترحّب بالمساعي السلمية بشروط سيادية صارمة