تشهد ولايات دارفور غربي السودان مشهداً كارثياً يجمع بين الحرب والوباء، حيث يتفشى مرض الكوليرا بسرعة مخيفة في بيئة صحية متهالكة، وسط صمت دولي يثير القلق. فمعارك الجيش وقوات “الدعم السريع” المستمرة منذ أكثر من عامين حولت المستشفيات إلى أطلال، وجعلت الوصول إلى المراكز الطبية شبه مستحيل، فيما يواجه آلاف النازحين مصيراً مأساوياً في المخيمات المكتظة.
وبحسب المنسقية العامة للاجئين والنازحين، فقد سُجّل حتى 27 آب/أغسطس الجاري أكثر من 8,500 إصابة مؤكدة بالكوليرا، بينها 361 وفاة، معظمهم من النساء والأطفال. وفي ولاية شمال دارفور وحدها تجاوزت الإصابات 4,800 حالة، بينما اجتاح المرض مناطق جبل مرة ومخيمات النزوح مثل “كلمة” و”عطاش”، حيث يختلط ضعف المناعة مع غياب العلاج فيؤدي إلى وفيات مرتفعة.

المأساة لا تقف عند حدود دارفور، إذ تشير بيانات حكومية إلى أن العدد الإجمالي للإصابات على مستوى السودان بلغ أكثر من 102 ألف حالة، بينها 2,560 وفاة منذ آب/أغسطس الماضي، ما يعكس تسارعاً غير مسبوق في انتشار المرض داخل بلد يواجه أصلاً واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث.

انهيار القطاع الصحي تحت نيران الحرب

القطاع الصحي في دارفور يترنح بين ضربات الحرب وقسوة الأوبئة. المستشفيات معدومة التجهيز، الأدوية نادرة، والإمدادات الطبية تكاد تكون منعدمة بسبب الحصار والانفلات الأمني. وفي مدينة الفاشر المحاصرة، كبرى مدن شمال دارفور، لم يبق سوى مستشفى جنوبي يعمل بطاقة لا تتجاوز 20%، بينما توقفت بقية المراكز الصحية. الصحفية نِعَمات الحاج وصفت الوضع بأنه “الأسوأ على الإطلاق”، مؤكدة أن الدواء والغذاء نفدا بالكامل، وأن الأطفال بلا لقاحات، فيما الوباء ينتشر داخل المدينة وضواحيها دون رادع.

هذا الانهيار لا يعود فقط إلى ضعف البنية الصحية، بل إلى استهداف مباشر لمنظومة الخدمات من قِبَل الحرب. الطرق المقطوعة، انعدام الأمن، وانشغال السلطات العسكرية بالقتال، كلها عوامل جعلت الكوليرا تنتشر بحرية قاتلة. وبات المريض في بعض المناطق يضطر إلى السير ساعات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي، في رحلة قد تنتهي بالموت قبل العلاج.

نداءات استغاثة دولية لا تجد آذاناً صاغية

منظمات الإغاثة الدولية أطلقت صفارات الإنذار مراراً. فقد أعلنت أطباء بلا حدود في منتصف أغسطس وفاة 40 شخصاً بالكوليرا في دارفور خلال أسبوع واحد فقط، ووصفت الوضع بأنه “أكثر من طارئ”. المنظمة حذّرت من أن غياب المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي يجعل الوقاية مستحيلة، مطالبة بآلية طوارئ عاجلة لتوفير الرعاية الصحية وحملات التطعيم.

أما منظمة الصحة العالمية فقد أكدت رصد إصابات في جميع ولايات السودان الـ18، مشيرة إلى أن النزاع المستمر منذ نيسان/أبريل 2023 أدى إلى انهيار كامل للبنية التحتية الصحية. ورغم ذلك، تبدو الاستجابة الدولية بطيئة ومتأخرة، بينما يواصل الوباء حصد الأرواح بصمت.

الكارثة المركبة: حرب وأوبئة ونزوح

الكوليرا ليست سوى وجه من أوجه الكارثة في دارفور. فالحرب نفسها خلّفت حتى الآن أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ بحسب الأمم المتحدة، بينما تقدّر دراسات أكاديمية أن عدد القتلى ربما تجاوز 130 ألفاً. هذا النزوح الجماعي جعل المخيمات المكتظة بيئة مثالية لتفشي الأوبئة، حيث يفتقر السكان للمياه النقية والخدمات الأساسية.

شهادات محلية تؤكد أن المرضى في بعض المناطق يُنقلون على الأكتاف أو يسيرون ساعات وسط القتال للوصول إلى المراكز الطبية. وفي كثير من الحالات يجتمع المرض والفقر وسوء التغذية في جسد واحد: طفل مصاب بالكوليرا والملاريا معاً، أو أم تعاني سوء التغذية إلى جانب العدوى، ما يرفع معدلات الوفاة بشكل مرعب.

الدور التخريبي للإمارات

لا يمكن فصل مأساة دارفور عن التدخلات الإقليمية التي غذّت الحرب. فالإمارات، بحسب تقارير أممية ودولية، لعبت دوراً محورياً في دعم قوات “الدعم السريع” بالمال والسلاح عبر طرق غير مشروعة، وهو ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الحل السياسي. وبينما يموت المدنيون بالكوليرا والجوع، تواصل أبوظبي رهاناتها التخريبية في السودان خدمةً لمصالحها الاقتصادية والسياسية، وعلى رأسها السيطرة على الموارد الطبيعية مثل الذهب.

هذا الدور التخريبي يضاعف من مأساة السودان، إذ يحوّل الحرب إلى مشروع إقليمي تغذّيه أطراف خارجية على حساب دماء الأبرياء. وفي ظل هذا الدعم، تبقى “الدعم السريع” قادرة على مواصلة الحصار والاعتداءات، مانعة وصول المساعدات إلى المناطق المنكوبة، وهو ما يفتح الباب لمزيد من الضحايا في صمت.

مستقبل غامض وكارثة مستمرة

المشهد في دارفور اليوم يجسد انهيار الدولة السودانية أمام أعين العالم: حرب لا تنتهي، أوبئة تتفشى، ومجتمع دولي عاجز عن التدخل الفعّال. الكوليرا هنا لم تعد مجرد أزمة صحية، بل مؤشر على فشل شامل في بنية الحكم والخدمات، وعلى تواطؤ قوى إقليمية في إطالة أمد الكارثة.

وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي سريعاً، فإن دارفور مقبلة على مجاعة وأوبئة أوسع نطاقاً، حيث تحذر تقارير الأمم المتحدة من أن الوضع في شمال دارفور يتدهور بوتيرة سريعة مع انتشار الحصبة والملاريا إلى جانب الكوليرا. وبينما يظل الحل السياسي بعيد المنال، فإن المدنيين العالقين بين نار الحرب ومخالب الأوبئة يواجهون مصيراً يتجاوز حدود الكارثة الإنسانية.

خلاصة: دارفور اليوم ليست فقط مسرحاً لحرب طاحنة، بل ساحة لإبادة صامتة عبر الكوليرا والمجاعة، في ظل تواطؤ إقليمي، أبرز تجلياته الدور التخريبي للإمارات. وبينما يحصد الموت الأرواح في صمت، تبقى استجابة العالم أضعف من مواجهة حجم الكارثة، تاركة السودان يغرق أكثر في أزماته المتشابكة.

اقرأ أيضًا : واشنطن تبرر مجزرة مستشفى ناصر: دعم أمريكي للإجرام تحت ذريعة “الإرهاب”