في مشهد يعكس تماهي المؤسسات الدينية الرسمية مع سياسات السلطة، خرجت دار الإفتاء المصرية ببيان رسمي ترد فيه على دعوة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” للتدخل العسكري المباشر نصرةً للفلسطينيين في غزة، معتبرةً أن الجهاد لا يجوز إلا عبر “الدولة الشرعية” ومؤسساتها السياسية.
بيان لم يكن فقهيًّا بقدر ما كان غطاءً شرعيًّا للعجز السياسي والتخاذل الرسمي الذي يمارسه نظام عبد الفتاح السيسي منذ بدء العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة.
في وقتٍ يُقتل فيه الأطفال والنساء ويُقصف المدنيون بلا رحمة، اختارت المؤسسة الدينية أن تنشغل بتأصيل “الجهاد المؤسسي”، بدلًا من الوقوف مع الأمة في لحظة مفصلية تتطلب الموقف لا التحليل البارد.

دار الإفتاء: من صوت الأمة إلى بوق السلطة
تحولت دار الإفتاء، التي كان يُنتظر منها أن تكون نصيرًا للمظلومين، إلى لسان حال النظام المصري، مطلقة فتاوى تضبط إيقاع الغضب الشعبي على إيقاع الرئاسة.
ففي بيانها الأخير، أظهرت المؤسسة انزعاجًا واضحًا من دعوات الجهاد، ووصفتها بأنها “خرق لأنظمة الدولة وتهديد للأمن”، وكأن الأمن القومي المصري مهددٌ من الغاضبين على المجازر في غزة، لا من الاحتلال الإسرائيلي الذي يهدد المنطقة كلها.
هكذا غيّبت الدار – عن قصد أو عن خضوع – البعد الإنساني والشرعي لقضية بحجم فلسطين، لتقدّم دروسًا في “فقه الطاعة” و”شرعية القرار السياسي”، متنكرة لتراث فقهي طويل أباح الجهاد دفاعًا عن المظلومين والمستضعفين، دون انتظار إذن الحاكم.
بين مقاصد الشريعة ومرجعية الأمن القومي
ما يلفت الانتباه في البيان، هو الإلحاح على أن “مناصرة الفلسطينيين يجب أن تكون واقعية وتحت سقف الدولة”، وهو ما يُفهم ضمنًا بأنه دفاع عن موقف النظام المصري المتخاذل، الذي لم يقطع علاقاته مع الاحتلال، ولم يستخدم أوراق الضغط المتاحة، بل اكتفى بخطاب إنساني بارد بينما الدم يسيل في غزة.
الدار اختزلت “مقاصد الشريعة” في مفهوم مشوّه للأمن والاستقرار، متجاهلة أن أعظم مقصد من مقاصد الشريعة هو “رفع الظلم” و”نصرة المظلوم”. لكن يبدو أن المقصد الحقيقي من البيان هو حماية الدولة من أي ضغط شعبي أو دعوات للتحرك تتجاوز قرارات السيسي.
رسائل سياسية لا فتاوى دينية
من حيث الشكل، يبدو بيان دار الإفتاء كتحليل فقهي، لكنه في جوهره بيان سياسي موجّه. فهو يحذر من تجاوز المؤسسات الرسمية، ويدعو إلى “الحكمة وتقدير المآلات”، في تكرار لنفس اللغة التي يستخدمها الإعلام الرسمي لتبرير الجمود.
بل وتجرأ البيان إلى حد التلميح بأن من يدعو للجهاد ولا يتقدم الصفوف بنفسه فهو متخاذل، متجاهلًا أن من يدعون للجهاد هم في الغالب مشايخ وعلماء لا يملكون سوى الكلمة، بينما من يملك الجيوش والجغرافيا والأوراق السياسية هو السيسي نفسه، الذي لم يحرك ساكنًا.
إن البيان – بوضوح – ليس موجهًا إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فقط، بل إلى الداخل المصري أيضًا، لكبح أي تعاطف شعبي قد يتحول إلى ضغط سياسي يُحرج النظام.
توقيت البيان.. حماية للنظام أم تبرير لتخاذله؟
تزامن البيان مع تصاعد الدعوات العربية والإسلامية لقطع العلاقات مع الاحتلال ووقف التنسيق الأمني وفرض عقوبات اقتصادية، وهو ما يُظهر أن المؤسسة الدينية في مصر لم تُرد أن تبقى خارج لعبة الضبط الأمني والسياسي، فقررت الدخول على الخط بلباس شرعي.
في لحظة كان ينتظر فيها العالم الإسلامي موقفًا موحدًا يليق بالمأساة في غزة، خرجت دار الإفتاء لتقول للعالم: لا جهاد إلا بإذن السيسي!، وكأن الدم الفلسطيني يحتاج ختم وزارة الدفاع المصرية كي يصبح “مشروعًا” في نظر الشريعة.
مؤسسة فقدت دورها الأخلاقي
بيان دار الإفتاء المصرية ليس إلا انعكاسًا حزينًا لوضع المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، التي تخلّت عن دورها الأخلاقي والشرعي، واصطفّت خلف نظام أثبت مرارًا أنه لا يضع فلسطين ضمن أولوياته.
فحين تتحدث الإفتاء عن الحكمة والبصيرة، وتتجاهل صوت الضمير، وتغلق باب الفتوى في وجه الأمة، فإنها لا تمارس الفقه بل تمارس الوصاية، لقد خذلت دار الإفتاء لا الفلسطينيين فقط، بل خذلت كل من ظن يومًا أن للعلماء دورًا في توجيه الأمة وقت المحن.
اقرأ أيضًا : مصر تطرح مبادرة جديدة لوقف إطلاق النار بغزة.. والاحتلال يتعنت