في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، تقدمت مصر مؤخرًا بمقترح جديد يهدف إلى وقف إطلاق النار لمدة 70 يومًا، مقابل صفقة تبادل تشمل الإفراج عن ثمانية أسرى إسرائيليين أحياء وتسليم جثث ثمانية آخرين.

المقترح، الذي قوبل بتحفظ إسرائيلي، يعكس جهودًا إقليمية ودولية متواصلة للضغط على الاحتلال نحو إنهاء الحرب، وسط تصاعد الخسائر الإنسانية واشتداد الغضب الدولي. لكن وكما جرت العادة، لا تزال حكومة الاحتلال تتعامل بانتقائية وتحفظ واضح، خاصة تجاه البنود التي تتعلق بمناقشة إنهاء العدوان.

ورغم أن المقترح المصري لا يخرج عن الإطار المعتاد لمبادرات وقف إطلاق النار، إلا أن توقيته وارتباطه بتحركات سياسية أمريكية وإقليمية يعطيه أبعادًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل تمسك نتنياهو بخطاب متشدد يُرضي فيه الجناح اليميني المتطرف في حكومته. 

فهل تنجح القاهرة في اختراق جدار الرفض الإسرائيلي، أم أن الأمر لا يتعدى مناورة جديدة في معركة سياسية معقدة؟

تفاصيل المقترح المصري

يطرح المقترح المصري الجديد معادلة دقيقة تستند إلى الإفراج عن ثمانية أسرى إسرائيليين أحياء، بينهم الجندي الأمريكي الإسرائيلي عيدان ألكسندر، مقابل وقف لإطلاق النار مدته 70 يومًا، مع بنود إضافية تشمل إعادة فتح محور نتساريم، وعودة سكان غزة إلى مناطقهم، إضافة إلى إدخال المساعدات الإنسانية ومناقشة المرحلة الثانية من الاتفاق لاحقًا بضمانات دولية.

هذا المقترح يأتي في وقت تتكثف فيه الضغوط على كافة الأطراف، خاصة في ظل تقارير حقوقية تتحدث عن وجود أكثر من 9500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، يتعرضون لانتهاكات ممنهجة، من بينها التعذيب والإهمال الطبي.

وبحسب القناة 12 العبرية، فإن الاحتلال يقدّر عدد الأسرى الإسرائيليين في غزة بـ59، بينهم 24 على قيد الحياة، ورغم أن حركة حماس أبدت مرونة بالموافقة على الإفراج عن خمسة مختطفين، فإن حكومة الاحتلال تطالب بإطلاق 11 دفعة واحدة، ما يعكس رغبتها في تحقيق مكاسب من دون تقديم أي تنازلات، أو الالتزام ببنود المرحلة الثانية التي تتعلق بوقف شامل لإطلاق النار أو إعادة إعمار القطاع المدمر.

الاحتلال يرفض “إنهاء الحرب”

تتمثل نقطة الاعتراض المركزية لدى حكومة الاحتلال في البند الذي يتضمن “مناقشة إنهاء الحرب”، وهو ما ترفضه “تل أبيب” بشدة، وتلقى في ذلك دعمًا واضحًا من الإدارة الأمريكية، رغم الخطاب الإعلامي الذي يتحدث عن ضرورة التهدئة. 

ويبدو أن “إسرائيل” تفضل استخدام ملف الأسرى كورقة ضغط لتحقيق أهداف استراتيجية، مثل “إخراج المقاومة من غزة” وفق تصريح نتنياهو الأخير عقب لقائه مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

اللقاء الذي جرى بين نتنياهو وترامب في البيت الأبيض، يعكس تنسيقًا دقيقًا بين الطرفين، حيث صرح نتنياهو بأنه يعمل على “صفقة جديدة”، لكنه ربطها بضرورة إنهاء وجود حماس، دون تقديم التزامات واضحة تجاه وقف القتل اليومي في غزة. 

هذا الموقف تكرس أيضًا في لقاءات أخرى، مثل اجتماعه مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والذي أعقبه تصريحات إسرائيلية تتحدث عن “تحركات داخل حماس”، بما يوحي بوجود ضغوط أمريكية خفية لإجبار الحركة على القبول بشروط مجحفة، دون أن تلتزم إسرائيل بأي مقابل جوهري.

وفي هذا السياق، تبرز محاولات أطراف إقليمية مثل مصر وفرنسا والأردن لتقديم غطاء دبلوماسي للمقترح، حيث أجرى قادة هذه الدول اتصالًا ثلاثيًا مع ترامب لبحث فرص الوصول إلى تهدئة شاملة.

ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية مع الاحتلال تُثبت أن الضغوط الدولية تبقى محدودة التأثير في ظل الدعم الأمريكي المطلق.

مأزق الاحتلال.. ضغط داخلي يتصاعد وعائلات الأسرى تنفجر غضبًا

من اللافت أن التعنت الإسرائيلي لا يحظى بإجماع داخلي، إذ تتزايد الدعوات من قبل عائلات الأسرى للإسراع في التوصل إلى اتفاق شامل.

فقد أطلق عدد من الأسرى المفرج عنهم مقطع فيديو من الولايات المتحدة، دعوا فيه الحكومة الإسرائيلية إلى إبرام صفقة “تُعيد الجميع دفعة واحدة”، مؤكدين أن “لا إنجاز أعظم من إعادة المختطفين إلى بيوتهم”.

كما أصدرت هيئة عائلات الأسرى بيانًا شديد اللهجة، طالبت فيه “بتجاوز أي حسابات سياسية وإنهاء الحرب مقابل عودة الأسرى”، ما يشير إلى تصاعد الغضب الشعبي من نهج نتنياهو، الذي يواصل تضييع الفرص والرهان على الحسم العسكري في غزة، رغم فشل هذه المقاربة على مدى أكثر من ستة أشهر من العدوان.

ويُذكر أن المرحلة الأولى من اتفاق سابق بوساطة مصرية وقطرية وأمريكية كانت قد بدأت في 19 يناير 2025، قبل أن يتهرب نتنياهو من استكمالها ويستأنف العدوان في 18 مارس، استجابة لضغوط اليمين المتطرف. ما يُظهر أن إسرائيل لا تلتزم إلا بما يخدم مشروعها التوسعي، ولا تعترف بأي اتفاق يُلزمها بوقف دائم لإطلاق النار أو رفع الحصار.

المقترح المصري، رغم ما قد يبدو فيه من مرونة وإنسانية، يصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي المدعوم من واشنطن، ويُطرح في بيئة سياسية إسرائيلية متطرفة باتت ترفض كل ما يُشتم منه نية لإنهاء الحرب.

ورغم تحركات إقليمية ودولية مكثفة، يبدو أن الأمل في نجاح المبادرة مرهون بمدى قدرة القاهرة والعواصم المتحالفة معها على خلق توازن قوى دبلوماسي يفرض على الاحتلال الالتزام بوقف إطلاق النار.

لكن إن استمرت حكومة نتنياهو في تجاهل الحلول السياسية ومواصلة سياسة الإبادة الجماعية، فقد تفتح هذه المناورة المصرية بابًا لتصعيد أوسع أو تحولات مفصلية في مواقف بعض الدول، خاصة مع تزايد الإدانات الحقوقية والضغط الشعبي في أوروبا وأمريكا.

اقرأ أيضًا : حذف 3 ملايين فقير من تكافل وكرامة: سياسة إفقار ممنهجة في عهد السيسي