لسنوات طويلة، باعت دبي نفسها للبريطانيين وغيرهم من الطبقات الوسطى المرهقة باعتبارها الهروب المثالي من الضرائب والطقس الكئيب والتراجع الاقتصادي في بلادهم. كانت الإمارة تُقدَّم كملاذ خليجي لامع، يستطيع فيه الطامحون إلى الثروة والرفاهية أن يهربوا من أزمات بلدانهم إلى مسابح لا نهائية فوق أسطح الأبراج، ووجبات فاخرة، وحياة مترفة بلا ضرائب.
لكن المدينة التي صنعت سمعتها على أنها أكثر ثراءً ولمعانًا من أي مكان آخر تواجه اليوم إهانة من نوع خاص: أن تبدو رخيصة. فبعد أن ضربت الحرب مع إيران صورة الإمارات كوجهة آمنة ومستقرة، بدأت دبي، التي كانت تُسوَّق بوصفها واجهة الرفاهية في الخليج، تعاني من تراجع حاد في السياحة والضيافة والعقارات والإنفاق الفاخر.
ورغم عودة عدد من البريطانيين المقيمين وغيرهم من السكان الأجانب إلى الإمارة المعفاة من الضرائب، فإن المعالم الشهيرة والفنادق والمطاعم لم تستعد بعد ذلك الزخم الدولي الذي كان يحوّل الرمال إلى شوارع مرصوفة بالذهب. الأزمة لم تضرب فقط أرقام السياحة، بل أصابت الأصل الأهم الذي بنت عليه دبي نموذجها الاقتصادي: الثقة.
في شاطئ “جيه وان” بمنطقة “لا مير”، الذي كان يُقدَّم كنسخة دبي من “كان” و“سان تروبيه”، تبدو علامات التراجع واضحة. قبل أن تبدأ الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في استهداف الإمارات في أواخر فبراير، كانت هذه المنطقة الممتدة من المطاعم الفاخرة والنوادي الشاطئية البراقة تمتلئ يوميًا بأثرياء ومشاهير الإمارة. وكان دخول أكثر الأماكن رواجًا هناك مستحيلًا تقريبًا دون حجوزات تمتد لأسابيع أو أشهر مسبقًا.
اليوم، تعرض بعض الأماكن نفسها دخولًا مجانيًا وخصومات كبيرة وطاولات مجانية. وقال أحد مؤثري دبي لصحيفة “ديلي ميل” إن جميع النوادي الشاطئية والأماكن في منطقة “جيه وان” تقدم عروضًا خاصة، ودخولًا مجانيًا للسيدات، ورسوم دخول قابلة للاسترداد بالكامل للرجال. وأضاف: “يمكنك أن تشعر أنهم يعانون، وسيزداد الأمر سوءًا مع بداية الصيف. هذه أماكن لم يكن يمكنك دخولها من قبل”.
في المنطقة نفسها يقع مطعم “ساخالين”، أغلى مطعم أسماك في دبي، حيث كان حتى الأثرياء وأصحاب النفوذ يحتاجون إلى الحجز قبل أسابيع لتأمين طاولة. يدفع الزبائن نحو 180 جنيهًا إسترلينيًا للفرد، مقابل سرطان البحر والكركند والقشريات الفاخرة القادمة من البحار قبالة شرق سيبيريا. وتتراوح الأسماك الطازجة بين أنواع مختلفة، من سمك النهر إلى سمكة تربوت كاملة بسعر 40 جنيهًا إسترلينيًا. أما أرخص زجاجة نبيذ أبيض، من نوع “فينيو فيردي” البرتغالي، فتبلغ 100 جنيه إسترليني، في حين تصل أغلى زجاجة “مونراشيه غراند كرو” من بورغوندي إلى 4700 جنيه إسترليني.
لكن الحرب تركت “ساخالين” شبه فارغ. عندما زارت الصحيفة المكان هذا الأسبوع، لم تكن هناك سوى طاولة واحدة يشغلها رجل يتحدث الروسية مع رفيقته الأنيقة. كان التراس خاليًا، والمظلات المزخرفة تتحرك بلا معنى في الهواء، ولم يكن هناك سبّاحون في البحر.
وفي مطعم ومنتجع “أفريكان كوين” المجاور، يعرض المكان أسرّة شاطئية مجانية على الشاطئ الخاص بشرط أن يشتري الزبائن بعض الطعام والشراب. وقالت مديرة علاقات الضيوف ميشيل سارتيني: “المطعم ليس مزدحمًا بسبب الوضع. نحاول فعل كل شيء لاستعادة الحركة”. وأضافت: “عندما بدأت الحرب، كان الأمر مخيفًا جدًا. تأثرت مدن كثيرة أكثر من دبي، لكن لم يكن أحد يتوقع سقوط صواريخ هنا، حتى لو كان عددها قليلًا”.
وقالت شابة إيطالية: “كان القصف مرعبًا. كان يمكنك رؤية الصواريخ وهي تعبر البحر ليلًا وسماع الانفجارات. لم يتوقع أحد هذا في دبي. كنا نعتبرها مثل أوروبا. الآن، للأسف، تذكرنا أنها في الشرق الأوسط”.
الصورة المصنوعة بعناية لدبي بوصفها “سويسرا الشرق الأوسط” تحطمت بفعل الهجمات الإيرانية، التي جاءت ردًا مباشرًا على الغارات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران، وهما حليفتان للإمارات. أرسلت إيران عشرات الطائرات المسيّرة عبر الممر البحري الضيق في الخليج لإظهار هشاشة وعود واشنطن بحماية دول الخليج. وقد اخترق بعضها الدرع الدفاعي الإماراتي الباهظ التكلفة.
اشتعلت النيران في فنادق زجاجية شاهقة، ودُمر مبنى سكني واحد على الأقل في حي السطوة ذي الطابع العمالي، وتحولت بعض المواقع الصناعية الخفيفة إلى أنقاض. وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، أُطلق نحو 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة إيرانية باتجاه الإمارات الأوسع، مستهدفة مطارات ومناطق مدنية، بينها فنادق ومبانٍ سكنية.
وحذرت وكالة “موديز” من أن إشغال الفنادق في دبي قد يهبط إلى مستوى قياسي يبلغ 10 في المئة فقط بحلول يوليو، بعدما كان 84.7 في المئة في فبراير. ووصفت الوكالة ذلك بأنه “إغلاق فعلي لأجزاء كبيرة من قطاع الضيافة”.
وبدأت بعض أكبر الأسماء في قطاع الفنادق الفاخرة في دبي بإغلاق غرف أو وقف العمل بهدوء تحت عنوان “أعمال تجديد”، وسط انهيار الحجوزات. وتشمل القائمة برج العرب، وفندق أرماني دبي، وسانت ريجيس في نخلة جميرا.
في فندق “أتلانتس ذا رويال” الشهير في نخلة جميرا، بدت الأجواء خلال زيارة ميدانية هادئة على نحو لافت. صوت نوافير عرق اللؤلؤ كان أعلى من أحاديث الضيوف القلائل عند الاستقبال. كان بار الكوكتيل والقهوة، الذي يضم بيانو أبيض عاجيًا كبيرًا، شبه خالٍ. لم تكن هناك سوى طاولتين مشغولتين، إحداهما لسيدتين بدتا عابستين وملولتين. وكان النوادل غير المشغولين ينقضّون على أي شخص يمر بالقرب منهم. في الخارج، على التراس المطل على أفق دبي الشهير، كانت كل أسرّة التشمس فارغة.
ومدخل الفندق، القائم على إحدى الجزر الاصطناعية على شكل نخلة، يطل مباشرة على الخليج، حيث تظهر ناقلات نفط وسفن حاويات عالقة، إلى جانب سفينة حربية واضحة للعيان. وفي موقف سيارات قريب، تقف أكثر من عشر سيارات فاخرة، بينها فيراري وبورش ورينج روفر، مغطاة بأغطية واقية من الغبار، على الأرجح بينما يبحث أصحابها عن مأوى في مكان آخر.
ومع نقص السياح، بدأت بعض أفخم الأماكن في دبي تقديم خصومات تصل إلى 50 في المئة لجذب السكان المحليين بعروض “الإقامة المحلية” والعمل من الفندق. في فندق “سييل دبي مارينا”، أطول فندق في العالم، كان سعر الليلة في جناح كينغ فاخر في ديسمبر نحو 2006 دراهم، أي 405.70 جنيهات إسترلينية. أما الآن، فقد انخفض سعر الغرفة نفسها، ومساحتها 538 قدمًا مربعًا، إلى 807 دراهم، أي 163.61 جنيهًا إسترلينيًا.
وعند زيارة الفندق الفاخر، بدا أن عمال الصيانة يفوقون الضيوف عددًا بنسبة عشرة إلى واحد. كان مطعم وبار الطابق الرابع عشر صامتًا تمامًا، باستثناء صوت الكهربائيين وهم يزحفون تحت الخزائن. وفي بار المسبح في الطابق الحادي عشر، بدا النادل منشغلًا بتنظيف أكواب لامعة أصلًا، ولم يكن أمامه سوى زوجين أوروبيين في منتصف العمر، بديا أكثر اهتمامًا ببعضهما من اهتمامهما بالمشروبات.
وتراجعت حركة المسافرين في مطاري دبي بما لا يقل عن 2.5 مليون مسافر في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالعام السابق. وشهد مارس انخفاضًا بنسبة 66 في المئة. كما هبطت الإيجارات قصيرة الأجل، بما في ذلك شقق “إير بي إن بي”، بنسبة 41 في المئة في أبريل مقارنة بالعام السابق. وتشير التوقعات إلى انخفاض بنسبة 20.1 في المئة في مايو، بينما يبدو يونيو أقل سوءًا بانخفاض متوقع قدره 7.9 في المئة.
وقال برام غالاغر، من شركة البيانات “إير دي إن إيه”: “لم نرَ مثل هذا التراجع في دبي منذ الفترة التي أعقبت كوفيد مباشرة”. وأضاف أن هناك تفاؤلًا حذرًا بأن يعود السوق، بحلول أغسطس وما بعده، إلى وضع أقرب إلى الطبيعي، لكن ذلك يعتمد كليًا على مدة استمرار الصراع. وتابع: “كلما طال أمده، ترسخت في أذهان الناس أكثر الصلة بين دبي وعدم الاستقرار الإقليمي. وهذا يضع دبي في موقف خطير”.
حتى سوق الذهب، أقدم أسواق دبي وأحد أشهر مقاصدها السياحية، بات يصرخ طلبًا للزبائن. الممرات المغطاة التي كانت تضج بالباعة والسياح أصبحت صامتة. تجلس القطط على المقاعد المخصصة للزوار، والمتاجر فارغة، وأصحابها يبدون في حالة يأس.
بن موس، القادم من واندسوورث في لندن، انتقل إلى دبي بعد الجائحة وعمل كمؤثر عبر الإنترنت. لكنه يقول إن قلة السياح ضربت عمله، لأن الشركات لم تعد تتواصل معه كما كان يحدث من قبل. وقال: “إيراداتي تأتي عادة من الفنادق والمطاعم. أي شركة تريد التسويق كانت تتصل بنا وتطلب مني الحديث عن نشاطها”. وأضاف: “منذ بدء الحرب، أصبح الأمر بالعكس. أتلقى نصف عدد الاتصالات، وانخفض سعري، واضطررت إلى التواصل مع الشركات بنفسي. هم ينظرون إلى الصيف باعتباره فترة منخفضة، ثم يراهنون على الشتاء المقبل”.
ورغم أن كثيرًا من المقيمين الأجانب، بينهم لاعب كرة القدم الإنجليزي السابق ريو فرديناند وزوجته كيت، ونجمة “ذا أبرنتس” السابقة ومقدمة البودكاست لويزا زيسمان، عادوا إلى دبي بعد فترات قصيرة في بلدانهم، فإن أثر الحرب ترك السكان العاديين تحت ضغط حقيقي.
فمع إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الوقود والغذاء. وقالت معلمة بريطانية تُدعى إليانور إن تكلفة ملء خزان سيارتها المتواضعة من نوع فيات أونو ارتفعت من 90 درهمًا، أي 18.29 جنيهًا إسترلينيًا، إلى 140 درهمًا، أي 28.45 جنيهًا إسترلينيًا. كما ارتفعت أسعار البيض والموز والمياه المعبأة بشكل حاد، وزادت أسعار المياه بما يصل إلى 30 في المئة.
ولا تزال الاختناقات المرورية تضرب الطرق السريعة ذات الست حارات في ساعات الذروة، لكن في أوقات أخرى من اليوم تبدو الحركة أسهل بكثير بسبب تراجع النشاط.
لكن الأزمة فتحت في المقابل فرصًا للأكثر ثراء. فقد كشف وكيل العقارات البريطاني ديفيد أن مستثمرين يملكون سيولة كبيرة بدأوا بالفعل في اقتناص العقارات الفاخرة المخفضة، مع انخفاض الأسعار بنسب تصل إلى 15 في المئة. وبذلك، تتحول الأزمة التي تضغط على العاملين والمقيمين إلى نافذة شراء جديدة للأثرياء الذين ينتظرون لحظات الانهيار لاقتناء الأصول بسعر أقل.
وتُقدر تكلفة الصراع على منطقة الشرق الأوسط الأوسع بنحو 600 مليون دولار يوميًا من إنفاق الزوار الدوليين، وفقًا لبحث صادر عن المجلس العالمي للسفر والسياحة.
وتدخلت حكومة دبي بإجراءات دعم بقيمة مليار درهم، أي نحو 200 مليون جنيه إسترليني، لمساعدة الفنادق ومشغلي السياحة. لكن الدعم الموجه للشركات لا يعني بالضرورة حماية العمال. ففي فنادق كثيرة، جرى وضع أعداد كبيرة من الموظفين، وغالبيتهم من شبه القارة الهندية، في إجازات مفتوحة غير مدفوعة الأجر. وبسبب خشيتهم من فقدان وظائفهم وعدم قدرتهم على تحمل تكاليف تذاكر العودة إلى بلدانهم، أصبح كثيرون منهم عالقين فعليًا.
وبدل تنفيذ عمليات تسريح جماعية، تُبقي الفنادق العمال في وضع “الاستعداد”، حتى تتمكن من إعادة تشغيلهم سريعًا إذا عادت الطلبات. هكذا لا يدفع قطاع الرفاهية وحده ثمن الانهيار، بل يدفعه أيضًا العمال الأقل حماية الذين يديرون الفنادق والمطاعم والمرافق من خلف الواجهة اللامعة.
في المقابل، حاول موقع “دبي كرونيكل”، وهو موقع محلي متخصص في نمط الحياة، الرد بتحدٍّ على التقييمات المتشائمة الصادرة عن جهات مثل “موديز”، مؤكدًا أن “هذا ليس ما يحدث على الأرض”. وكتب أن المتاجر مفتوحة، والمقاهي ممتلئة، والناس يدفعون 30 درهمًا وأكثر مقابل قهوة مختصة دون تردد، وأن العائلات تتناول العشاء في المطاعم خلال أيام الأسبوع لا في عطلة نهاية الأسبوع فقط. وأضاف أن الرغبة في الرفاهية الصغيرة والمتكررة ما زالت قائمة لأن الذين يشترون يملكون دخلًا متاحًا وينفقونه محليًا. وجاء في الموقع: “عندما لا تستطيع السفر إلى مكان ما، تأكل في مكان جيد بدلًا من ذلك”.
وهذا صحيح جزئيًا في بعض الأماكن اللامعة، مثل “زوما” و“إيريس”، حيث لا تزال نخبة المدينة تحتسي الكوكتيلات حتى وقت متأخر من الليل، كما لا تزال أماكن رائجة مثل “بي بيتش” تستقبل رواد الحفلات.
وربما تقع حقيقة دبي في مكان ما بين تحذيرات “موديز” القاتمة وإنكار “دبي كرونيكل” بأن هناك شيئًا يستحق القلق. وقالت المصرفية الأسترالية ترايسي: “الأماكن التي أذهب إليها لا تزال ممتلئة، والأجواء جيدة. اجتماعيًا، تبدو الحياة طبيعية مرة أخرى. العمل فقط يحتاج إلى وقت ليتعافى”.
لكن مع غياب أي نهاية واضحة للحرب، ومع تزايد المؤشرات على أنها قد تتحول إلى صراع طويل الأمد ومجمّد، يصبح آخرون أكثر حذرًا. وقال رجل أعمال بريطاني طلب عدم ذكر اسمه: “أعيش في دبي منذ عشر سنوات وأحب الحياة هنا. نأمل جميعًا أن تعود الأمور إلى طبيعتها بعد الصيف. وإلا، بصراحة، فنحن جميعًا في ورطة”. وأضاف: “إذا لم يعد الناس، فسنكون في مشكلة كبيرة. حياتي هنا. أنا وشريكتي رزقنا للتو بطفل. لكن العيش في دبي يحتاج إلى المال. وإذا استمرت الحرب وغادر المزيد من الناس ولم يعد الذين غادروا، فسينتهي الأمر بالنسبة لنا، وأظن بالنسبة لكثيرين غيرنا أيضًا”.
القصة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بفنادق فارغة أو مطاعم تقدم خصومات بعد أن كانت ترفض الزبائن دون حجز مسبق. إنها اختبار لنموذج كامل بنته دبي على الأمن، والرفاهية، والسيولة، والسياحة، والعمالة الرخيصة، والإنفاق الأجنبي. الحرب لم تُسقط دبي، لكنها كشفت هشاشتها: مدينة مصممة لتبدو أقوى من المنطقة التي تقع داخلها، ثم ذكّرها الصراع بأنها ليست خارج الشرق الأوسط مهما بالغت في تلميع صورتها.