شهدت مدينة أوكلاند النيوزيلندية، السبت، مشهداً استثنائياً غير مألوف في تاريخ البلاد، إذ تدفقت حشود ضخمة إلى شوارع المدينة للمشاركة في مظاهرة وُصفت بأنها “الأكبر على الإطلاق” دعماً للشعب الفلسطيني وقطاع غزة، الذي يرزح منذ نحو عامين تحت قصف وتجويع ودمار واسع بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر.
وبحسب إذاعة نيوزيلندا الرسمية (RNZ)، فقدّرت الشرطة النيوزيلندية عدد المشاركين بنحو 20 ألف متظاهر، في حين قدّر المنظمون العدد بنحو 50 ألفاً، في ما أطلقوا عليه اسم “مسيرة من أجل الإنسانية”. انطلقت المسيرة من ساحة “أوتيا” وسط المدينة، قبل أن تختتم فعالياتها في “حديقة فيكتوريا”، حيث علت الهتافات واللافتات المطالِبة بإنهاء المجازر الإسرائيلية ورفع الحصار فوراً عن غزة.
ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية إلى جانب لافتات كُتب عليها شعارات واضحة مثل: “لا تُطَبّعوا الإبادة الجماعية” و”كونوا أصحاب موقف وساندوا فلسطين”، في مشهد حمل رمزية قوية على رفض قطاعات واسعة من المجتمع النيوزيلندي استمرار الصمت الدولي إزاء الجرائم المرتكبة في غزة.

مطالب صريحة للحكومة النيوزيلندية: عقوبات واعتراف بالدولة الفلسطينية
خلال الفعالية، ألقى عدد من النشطاء كلمات حماسية، أبرزهم نادين مرتجى المتحدثة باسم مجموعة “آوتياروا من أجل فلسطين”، التي أكدت أن هذه التظاهرة “هي الأكبر في تاريخ نيوزيلندا من أجل فلسطين”، مشيرة إلى أن الزخم الشعبي المتزايد يعكس تنامياً في وعي الشارع النيوزيلندي بحقيقة ما يتعرض له الفلسطينيون من تطهير عرقي منظم.
وطالب المنظمون الحكومة النيوزيلندية باتخاذ موقف عملي عبر فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل، ووقف أي تعاون عسكري أو أمني معها، تماشياً مع التزامات نيوزيلندا المعلَنة بحقوق الإنسان. كما دعوا إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، في ظل حديث سابق لرئيس الوزراء كريستوفر لوكسون في آب/أغسطس الماضي، قال فيه إن حكومته تدرس خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واصفاً السياسات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصاً منع دخول المساعدات، بأنها “مروّعة جداً”.
كذلك شدد المحتجون على ضرورة إعلان وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في غزة، وإنهاء الحصار المفروض منذ 17 عاماً، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنتظم، إضافة إلى استئناف عمل وكالة “أونروا” التي شُلّت عملياتها بفعل الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.
تأييد شعبي متزايد رغم المعارضة الرسمية الصهيونية
رغم محاولات المجلس اليهودي النيوزيلندي التقليل من شأن التظاهرة، فقد اضطر المتحدث باسمه بن كيبس للإشادة بسلمية المسيرة، وإن عبّر عن رفضه الدعوات لفرض عقوبات على إسرائيل. لكن هذا الموقف بدا معزولاً وسط تصاعد موجات الدعم الشعبي لفلسطين في نيوزيلندا وأستراليا على حد سواء.
فبالتوازي مع احتجاجات أوكلاند، شهدت عدة مدن أسترالية تظاهرات حاشدة، منها مسيرة ضخمة في ملبورن حمل فيها المحتجون أعلام السكان الأصليين لأستراليا (الأبورجين) إلى جانب الأعلام الفلسطينية، في مشهد يربط بين نضال الشعوب الأصلية ضد الاستعمار وبين النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي العاصمة كانبرا، تظاهر نحو 200 شخص في احتجاج ضد الفاشية والعنصرية، رفعوا خلاله الأعلام الفلسطينية ولافتات منددة بالإبادة الجماعية.
رمزية الحدث: كسر الصمت الغربي ودعم متنامٍ لفلسطين
تمثل هذه التظاهرات منعطفاً لافتاً في المشهد السياسي داخل دول غربية بعيدة جغرافياً عن الشرق الأوسط، لكنها باتت أكثر انخراطاً في نقاشات العدالة وحقوق الإنسان العالمية. فخروج عشرات الآلاف في بلد صغير نسبياً كسكان نيوزيلندا، يعكس اتساع الهوة بين المواقف الشعبية الرافضة للعدوان الإسرائيلي، والسياسات الرسمية الغربية التي تواصل تقديم الدعم العسكري والسياسي غير المشروط للاحتلال.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل عدواناً شاملاً على غزة بدعم أمريكي، أدى إلى استشهاد أكثر من 64 ألف فلسطيني وإصابة 164 ألفاً، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب تهجير مئات الآلاف وتجويع مئات الآلاف الآخرين، ما تسبب بمجاعة أزهقت أرواح أكثر من 420 فلسطينياً بينهم 145 طفلاً، في ظل تجاهل إسرائيل المتكرر لنداءات الأمم المتحدة وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة الجماعية.
خاتمة: زخم شعبي يُحرّك المياه الراكدة
تؤشر التظاهرة النيوزيلندية غير المسبوقة إلى أن ملف فلسطين لم يعد حبيس الجغرافيا أو رهينة الروايات الرسمية التي تحاول تجريده من إنسانيته، بل بات قضية عدالة عالمية تتجاوز الحدود القومية.
وبينما تواصل الحكومات الغربية دعمها الأعمى للاحتلال، تتشكل موجة عالمية جديدة من التضامن الشعبي العابر للقارات، ترى في فلسطين مرآةً لاختبار مصداقية القيم الإنسانية وحقوق الإنسان. وقد تكون هذه الموجة، إذا استمرت بالزخم نفسه، عامل ضغط حقيقي لإحداث تحول في مواقف بعض الحكومات المترددة، ومنها حكومة نيوزيلندا التي تقف اليوم أمام اختبار أخلاقي وتاريخي حاسم: إما الانحياز لمبادئ العدالة، أو البقاء متفرجة على واحدة من أبشع الإبادات في التاريخ المعاصر.
اقرأ أيضًا : مخطط اغتيال برّي في قطر: انكشاف خطة الموساد يفضح إجرام الاحتلال وانتهاكه لسيادة الدول