بينما تواصل آلة الاحتلال الإسرائيلي حربها المفتوحة على قطاع غزة منذ ما يقرب من عامين، كشفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” عن تقديرات مروعة تُظهر أن النزوح من مدينة غزة إلى جنوب القطاع لم يعد مجرد خيار قسري، بل عبء مالي يفوق طاقة أي أسرة فلسطينية معدمة.

فالانتقال من الشمال إلى الجنوب يكلف، بحسب الوكالة الأممية، ما يقارب 3180 دولارا للفرد أو الأسرة، موزعة على ثلاثة عناصر أساسية: ألف دولار أجرة نقل، 2000 دولار ثمن خيمة عائلية، و180 دولارا كلفة استئجار قطعة أرض صغيرة لنصب الخيمة. هذه الأرقام لا تبدو منطقية في بيئة يفتقد فيها الغزيون لأي دخل، بل تكشف أن النزوح تحوّل من “ملاذ اضطراري” إلى “رفاهية مستحيلة”.

الحصار.. اختناق يضاعف المأساة

الأونروا أكدت أن هذه الكلفة تأتي في ظل شح شديد في الوقود ومنع دخول المساعدات، بعد أن حظرت سلطات الاحتلال منذ سبعة أشهر إدخال أي مواد إغاثية أو لوجستية لتجهيز الملاجئ، تاركة مئات آلاف النازحين يواجهون مصيرا أسود.

وبحسب الوكالة، فإن “المساحات مكتظة أصلا ويصعب العثور على أماكن لإقامة الخيام”، وهو ما يعني أن الفلسطينيين الهاربين من القصف يجدون أنفسهم في دوامة جديدة: إما دفع مبالغ فلكية لا يملكونها أو مواجهة النوم في العراء بين الركام.

هذا الواقع يعكس طبيعة العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل بحق سكان القطاع، حيث يُحاصرون في رقعة جغرافية صغيرة محرومة من مقومات الحياة، ثم يُجبرون على دفع ثمن بقائهم أحياء.

حرب التهجير.. من الأبراج إلى الخيام

لم تقتصر المأساة على الجانب الاقتصادي. فمنذ أسابيع، يكثف جيش الاحتلال قصف الأبراج السكنية والعمارات في مدينة غزة، في سياسة ممنهجة لإفراغ المدينة ودفع سكانها نحو الجنوب.

الإعلان عن “عملية برية واسعة” بمشاركة فرق عسكرية ضخمة (98، 162، 36) لم يكن مجرد تطور ميداني، بل إشارة إلى نية الاحتلال اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم الحضرية، وتحويلهم إلى نازحين يقتاتون على الخيام.

وفي السياق ذاته، استدعى الاحتلال عملية “عربات جدعون 2″، امتدادا للعملية السابقة التي ركزت على شمال غزة وشرقها. المشهد واحد: تدمير متعمد للبنى التحتية والسكنية لإجبار السكان على الهجرة الداخلية.

إلغاء الأونروا.. قطع شريان الحياة

المفارقة أن الوكالة الأممية التي تحاول اليوم دق ناقوس الخطر، تواجه هي الأخرى حربا سياسية إسرائيلية. ففي كانون الثاني/ يناير الماضي، حظرت حكومة الاحتلال عمل الأونروا في الضفة وغزة، بذريعة اتهام موظفين فيها بالمشاركة في أحداث 7 أكتوبر 2023.

قرار الكنيست في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 لم يكن سوى حلقة من مسلسل طويل يهدف إلى إلغاء أحد أهم الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتصفية ملف يُزعج إسرائيل منذ 1948.

اليوم، ومع غياب الأونروا ميدانيا بفعل التضييق الإسرائيلي، يجد الفلسطينيون أنفسهم بلا جهة قادرة على تأمين المأوى أو دعم تكاليف النزوح، ما يجعل المعاناة مضاعفة.

الإبادة الجماعية بالأرقام

الأونروا ربطت بين معاناة النزوح وحقيقة الحرب المستمرة، إذ أن 65,141 شهيدا و 165,925 مصابا سقطوا منذ 7 أكتوبر 2023، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما حصد الجوع أرواح 435 فلسطينيا بينهم 147 طفلا.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشر على أن كل أسرة في غزة فقدت فردا أو أكثر، وأن تكلفة النزوح ليست مجرد عبء مالي، بل ثمن حياة قد يُدفع في أي لحظة تحت القصف أو بسبب المرض والمجاعة.

معاناة الغزيين: بين الفقد واللجوء القسري

وراء هذه الأرقام، قصص إنسانية تفيض بالألم.

  • أسرة فقدت منزلها تحت الركام، وجدت نفسها مضطرة لبيع ما تبقى من ذهب نسائها لتأمين خيمة تأوي الأطفال.

  • رجل مسن قضى أيامه الأخيرة وهو يرفض مغادرة المدينة، ليُدفن تحت أنقاض منزله بعدما عجز أبناؤه عن دفع تكاليف نقله.

  • أطفال يبحثون عن أماكن للعب في أرض مليئة بالخيام، حيث تتحول الحياة إلى “معسكر نزوح دائم”.

المأساة لا تكمن فقط في الكلفة المادية، بل في الإذلال النفسي والاجتماعي الذي يُفرض على سكان غزة: من أصحاب بيوت وأحياء ومجتمع نابض بالحياة، إلى نازحين يقطنون خياما مكتظة على أرض مستأجرة.

صرخة الأونروا والمجتمع الدولي الغائب

الأونروا جددت مطالبتها بوقف إطلاق النار والسماح بدخول المساعدات. لكن هذه الدعوات تتلاشى أمام صمت دولي، بل وتواطؤ أمريكي واضح في دعم سياسات الاحتلال.

هذا الصمت لا يعني فقط تجاهل معاناة الفلسطينيين، بل مشاركة فعلية في استمرار مأساة النزوح، حيث تتحول غزة إلى مختبر لإعادة إنتاج النكبة بعد أكثر من سبعة عقود.

خاتمة: نزوح بلا نهاية

تكلفة النزوح الباهظة ليست سوى عنوان لمأساة أعمق يعيشها الفلسطينيون اليوم. ففي غزة، لم يعد النزوح انتقالا جغرافيا، بل عملية اقتلاع قسري مُخطط لها بعناية: قصف يدفع الناس إلى الهجرة، حصار يمنع المساعدات، وسياسات تقضي على بدائل البقاء.

هذه ليست مجرد حرب على أرض أو جماعة سياسية، بل إبادة لشعب كامل يُجبر على دفع ثمن بقائه حيا بالدولار والدم في آن واحد.

اقرأ أيضًا : الفيتو الأمريكي.. درع إسرائيل في مجلس الأمن ودفن آمال وقف النار في غزة