تشهد الساحة السياسية والرياضية في بريطانيا تصعيداً لافتاً وجدلاً لا يبدو أنه في طريقه للخمود، حيث تتعاظم الضغوط على وزارة الخارجية البريطانية لفتح تحقيق رسمي والنظر في فرض عقوبات على الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ومالك نادي مانشستر سيتي. تأتي هذه التحركات على خلفية تقارير دولية تتهم الإمارات بتقديم دعم عسكري ومادي لمجموعات مسلحة متورطة في الحرب الأهلية الدامية في السودان.

مأساة السودان: أرقام مرعبة واتهامات بالإبادة

منذ اندلاع النزاع الأخير في السودان قبل نحو عامين، تشير تقديرات وكالات الإغاثة والمسؤولين في الحكومة الأمريكية إلى سقوط ما لا يقل عن 150 ألف قتيل. وتصف الأمم المتحدة الأوضاع هناك بأنها تحمل “بصمات الإبادة الجماعية”، حيث يتعرض المدنيون لانتهاكات صارخة تشمل القتل الجماعي، والتهجير القسري، واستخدام التجويع كسلاح حرب.

في هذا السياق، قدمت منظمة “فير سكوير” (FairSquare) المعنية بحقوق الإنسان أحدث المطالبات للحكومة البريطانية لتقييم دور الشيخ منصور بن زايد، بصفته شخصية محورية في الحكومة الإماراتية، في دعم “قوات الدعم السريع”. وهي المليشيا المتهمة من قبل أطراف دولية عديدة بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في إقليم دارفور ومناطق أخرى.

الضغط البرلماني والسياسي: “أداة ضغط واضحة”

لم يقتصر الأمر على المنظمات الحقوقية، بل انتقل الجدل إلى أروقة البرلمان البريطاني. ففي يناير الماضي، صرح الزعيم السابق لحزب المحافظين، إيان دنكان سميث، بأن الشيخ منصور يعد “ربما أبرز مستثمر إماراتي في الاقتصاد البريطاني”، مشدداً على ضرورة قيام وزارة الخارجية بإجراء “تقييم كامل لما إذا كان ممثلو حكومة الإمارات يستوفون معايير فرض العقوبات”.

وتجادل منظمة “فير سكوير” بأنه إذا كانت المملكة المتحدة جادة فعلياً في تفكيك “آلة الحرب” في السودان، فإن الشيخ منصور يمثل “نقطة ضغط واضحة للغاية”. فالعلاقة الوثيقة بين ملكية النادي الرياضي الأنجح في العقد الأخير وبين مناصب سياسية عليا في دولة تُتهم بتغذية الصراع، تضع الحكومة البريطانية في موقف حرج أمام التزاماتها الأخلاقية والقانونية.

اتهامات دولية ونفي إماراتي

تقارير صادرة عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أشارت بوضوح إلى أدوار لوجستية وعسكرية للإمارات في تسليح قوات الدعم السريع. ورغم أن دولة الإمارات تنفي بشدة كونها طرفاً في النزاع أو دعمها لأي من الفصيلين المتناحرين، إلا أن الشواهد الميدانية والتقارير الاستخباراتية المنشورة تواصل تغذية هذه الشكوك.

وكانت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، قد صرحت في فبراير الماضي عند إعلان حزمة عقوبات ضد كيانات مرتبطة بالحرب: “سنسعى لتفكيك آلة الحرب الخاصة بأولئك الذين يرتكبون أو يستفيدون من العنف الوحشي في السودان… سنرسل رسالة إلى كل فرد مسؤول عن قيادة هذه الجيوش وارتكاب هذه الفظائع بأنهم سيحاسبون يوماً ما”.

سيناريو “أبراموفيتش” يلوح في الأفق

تتضمن العقوبات المتاحة للحكومة البريطانية تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية مع الشركات البريطانية. وهو السيناريو الذي يخشاه مشجعو مانشستر سيتي، إذ يعيد إلى الأذهان ما حدث مع رومان أبراموفيتش، المالك السابق لنادي تشيلسي.

فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فرضت لندن عقوبات مشددة على أبراموفيتش بسبب “قربه المفترض من الكرملين”، مما أدى في النهاية إلى تجميد أصول النادي وإجبار المالك الروسي على بيعه. ويرى مراقبون أن الضغوط الحالية تهدف لوضع الشيخ منصور تحت مجهر مشابه، حيث لم يعد يُنظر إلى ملكية الأندية الرياضية ككيانات منعزلة عن السياسة الخارجية للدول المالكة لها.

احتجاجات في “الاتحاد” وصورة مهتزة

لم تكن الملاعب بعيدة عن هذا الصراع؛ ففي نوفمبر الماضي، شهدت مباريات مانشستر سيتي في “استاد الاتحاد” وقفات احتجاجية رفع خلالها ناشطون ملصقات كرتونية للشيخ منصور، تطالب الإمارات بوقف تمويل قوات الدعم السريع فوراً.

هذه التحركات تشير إلى أن ملف “الغسيل الرياضي” (Sportswashing) لم يعد فعالاً كما كان في السابق. فبرغم النجاحات الكروية الهائلة التي حققها النادي تحت ملكية “مجموعة سيتي لكرة القدم”، إلا أن الارتباط بملفات إنسانية ثقيلة كملف السودان بات يهدد العلامة التجارية للنادي ويثير تساؤلات أخلاقية لدى القاعدة الجماهيرية والمجتمع البريطاني.

إن استمرار الدعوات للتحقيق والضغط البرلماني يضع الخارجية البريطانية أمام اختبار حقيقي: هل ستغلب المصالح الاقتصادية والاستثمارات الإماراتية الضخمة، أم ستنتصر للمبادئ التي أعلنتها بشأن المحاسبة عن الجرائم المرتكبة في السودان؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة، لكن الأكيد أن هذا النقاش “لن يختفي” كما يطالب الناشطون.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان