في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لم تكن الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية في فلسطين مجرد أحداث متفرقة، بل جاءت كجزء من سياسة ممنهجة تستهدف تغيير الواقع الديني والتاريخي، وفرض سيادة قسرية على أماكن عبادة تُعد من أقدس المقدسات لدى المسلمين. تقرير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية كشف أرقامًا صادمة، لكنها في الحقيقة تعكس مسارًا متصاعدًا من الإجرام المنظم الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وسائر دور العبادة في الضفة الغربية.
![]()
الأقصى: اقتحامات ممنهجة لا أحداث عابرة
بحسب التقرير، شهد المسجد الأقصى خلال شهر ديسمبر وحده 27 اقتحامًا من قبل المستوطنين، تحت حماية مباشرة من شرطة الاحتلال. خطورة هذه الاقتحامات لا تكمن فقط في عددها، بل في طبيعتها وأهدافها؛ إذ لم تعد تقتصر على الجولات الاستفزازية، بل تطورت إلى ممارسات دينية علنية مثل السجود الملحمي، النفخ في البوق، وارتداء ملابس الصلاة داخل ساحات المسجد.
هذه الطقوس تمثل، وفق خبراء ومؤسسات دينية، محاولة صريحة لفرض واقع ديني جديد داخل الأقصى، وتكريس مفهوم “التقسيم الزماني والمكاني” الذي تسعى إسرائيل لتطبيقه، كما فعلت سابقًا في الحرم الإبراهيمي. الأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات تتم في ظل منع حراس الأوقاف الإسلامية من أداء مهامهم، وتقييد حركتهم، في انتهاك واضح للوضع القانوني والتاريخي القائم.
وفي يوم واحد فقط، أعلنت محافظة القدس اقتحام 123 مستوطنًا للمسجد على فترتين، بالتزامن مع إدخال 610 سائحين عبر بوابة السياحة الخاضعة لسيطرة الاحتلال، في مشهد يُستخدم فيه الغطاء السياحي كأداة لتكثيف الوجود الإسرائيلي داخل المسجد وتطبيع اقتحامه.
الحرم الإبراهيمي: نموذج التقسيم القسري
في مدينة الخليل، يتكرر المشهد ذاته ولكن بصيغة أكثر وقاحة. فقد أفادت وزارة الأوقاف بأن الاحتلال منع رفع الأذان 53 مرة في الحرم الإبراهيمي خلال ديسمبر، وهو رقم يعكس استهدافًا مباشرًا للشعائر الدينية، ومحاولة لطمس الهوية الإسلامية للمكان.
ولم يقتصر الأمر على منع الأذان، بل شمل إقامة حفلات صاخبة داخل القسم المحتل من الحرم، ومنع موظفي الأوقاف من دخوله دون أي مبرر قانوني، إضافة إلى حفريات مجهولة، ووضع غرف متنقلة في محيطه، مع تشديد الإجراءات الأمنية لمنع معرفة طبيعة استخدامها. كل ذلك يحدث في منطقة تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة بموجب اتفاق الخليل عام 1997، وهو اتفاق تستغله سلطات الاحتلال لتكريس الأمر الواقع بدل الالتزام بروحه القانونية.
سياسة إجرامية لا خروقات فردية
ما يجري في الأقصى والإبراهيمي لا يمكن توصيفه كـ“انتهاكات” بالمعنى العابر، بل هو سلوك إجرامي منظم يستهدف العقيدة والهوية والوجود الفلسطيني. فاستهداف دور العبادة، ومنع الأذان، واقتحام المساجد، والاعتداء على الأملاك الوقفية في عموم الضفة الغربية، كلها أفعال تُصنف وفق القانون الدولي كـانتهاكات جسيمة لحرية العبادة، وترقى في سياقها التراكمي إلى جريمة اضطهاد ديني.
اللافت أن هذه الجرائم تُنفذ برعاية رسمية من شرطة الاحتلال، ما ينزع عنها أي طابع “فردي” أو “استثنائي”، ويؤكد أنها جزء من سياسة دولة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الديني في فلسطين المحتلة، تمهيدًا لفرض سيادة كاملة على المقدسات.
صمت دولي وتواطؤ فعلي
رغم خطورة هذه الممارسات، لا يزال الموقف الدولي يتسم بالصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق، وهو ما يفسره الفلسطينيون باعتباره تواطؤًا غير مباشر يشجع الاحتلال على المضي قدمًا. فغياب المحاسبة يمنح إسرائيل شعورًا بالحصانة، ويحول المقدسات إلى ساحات مفتوحة للاعتداء اليومي.
في المحصلة، يكشف تقرير وزارة الأوقاف أن ديسمبر لم يكن شهرًا عاديًا، بل محطة جديدة في مسار تهويدي متسارع، تُستخدم فيه القوة، والقانون، والدين، كأدوات لفرض واقع استعماري جديد. وما لم يُكبح هذا المسار، فإن الأرقام مرشحة للارتفاع، ومعها يتعمق جرح المقدسات، ويتكرس الإجرام كسياسة ثابتة للاحتلال.
اقرأ أيضًا :ميليشيا الدعم السريع تستهدف كهرباء شمال كردفان.. حرب خدمات ببصمات إماراتية