في فجرٍ دموي جديد، لم يكن الضحايا من البشر هذه المرة، بل من الكائنات التي يعتاش عليها الفقراء والمنسيون في شمال شرق الضفة الغربية. ففي منطقة “الأغوار الشمالية”، ارتكب مستوطنون إسرائيليون مجزرة جديدة، راح ضحيتها 117 رأسًا من الأغنام، ذُبحت بعضها بالسكاكين وأُعدمت الأخرى بالرصاص الحي، في جريمة وصفها الأهالي بأنها تطهير اقتصادي منظم يستهدف أساس حياة الفلسطينيين الباقين في المنطقة.

جريمة مركبة: استهداف الحياة، لا الأفراد فقط

ما جرى فجر الجمعة في منطقة “الشك” بالأغوار ليس حادثًا فرديًا ولا عملًا منفلتًا، بل هو حلقة جديدة في سياسة ممنهجة تستهدف الإنسان والمكان والمعيشة. فذبح الأغنام – التي تمثل مصدر رزق أساسي للعائلات البدوية في المنطقة – ليس فقط جريمة بحق الثروة الحيوانية، بل هو اعتداء مباشر على مقومات الصمود الفلسطيني في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية.

بحسب رئيس مجلس الأغوار الشمالية مهدي دراغمة، فقد نفذ المستوطنون الجريمة بعد أن حاصروا القطيع طوال الليل، في مشهد أقرب لحرب نفسية منظمة، واستخدموا السكاكين والرصاص في عملية إبادة متعمدة، قبل أن يفرّوا من المكان. بعض الأغنام فُقد، وبعضها أُعيد بعد مطاردة من الأهالي.

 الأغوار في عين العاصفة: الهدف هو التهجير

جريمة ذبح القطيع تأتي في إطار حملة تهويد متسارعة تشهدها منطقة الأغوار، والتي يطمع الاحتلال في ضمّها بالكامل منذ سنوات طويلة، نظرًا لأهميتها الزراعية والعسكرية. ويبدو أن تصعيد اعتداءات المستوطنين هو جزء من خطة طرد غير معلن للفلسطينيين من أراضيهم عبر الضغط الاقتصادي والنفسي.

الاعتداءات لم تتوقف عند ذبح الأغنام، بل تضمنت اقتحام خيام السكان، سرقة ممتلكاتهم، والاعتداء الجسدي عليهم، في غياب تام لأي حماية قانونية أو سياسية من السلطة الفلسطينية أو المجتمع الدولي.

 تزامن خطير: الضفة تنزف بينما تُباد غزة

الجرائم في الأغوار تأتي في سياق تصعيد أوسع يشمل كل مناطق الضفة الغربية، حيث وثّقت جهات فلسطينية استشهاد أكثر من ألف مواطن وإصابة نحو 7 آلاف آخرين منذ 7 أكتوبر 2023، تاريخ بدء الحرب الشاملة على غزة.

وفي نفس الليلة التي ذُبح فيها قطيع الأغنام، اقتحمت قوات الاحتلال بلدات “يعبد” و”شوفة” و”جنين”، واعتدت على المواطنين، وأغلقت محالهم، واحتجزت المزارعين، في مشهد يعكس تكاملاً بين دور الجيش والمستوطنين في فرض واقع عنيف يُراد له أن يُكسر فيه ظهر المقاومة والحياة معًا.

 السكوت الدولي… حماية للجريمة

رغم بشاعة الجريمة، لم يصدر أي بيان إدانة من الجهات الدولية أو المنظمات الأممية، ما يطرح تساؤلات جدية عن مدى جدوى النظام الدولي في حماية السكان الأصليين من مشاريع الإبادة البطيئة التي لا تُنفذ فقط بالطائرات، بل بالسكاكين أيضًا.

ذبح 117 رأسًا من الأغنام في منطقة تعاني أصلًا من الحصار والإفقار، هو إعلان حرب على نمط الحياة الفلسطيني، وجريمة مكتملة الأركان يُفترض أن تُحال إلى محاكم دولية، لكنها غالبًا ستمرّ كما مرت مئات الجرائم الأخرى بلا عقاب.

الاحتلال لا يقتل البشر فقط… بل يطعن الحياة في قلبها

جريمة الأغوار هي واحدة من تجليات العقلية الاستيطانية التي ترى في كل ما هو فلسطيني – من الإنسان إلى الحيوان إلى الشجرة – هدفًا مشروعًا للتصفية. إنها سياسة إبادة ممنهجة لا تُنفذ فقط في غزة، بل تُنسج خيوطها بهدوء في الضفة أيضًا، تحت ستار الصمت الدولي وغياب الردع.

ويبقى السؤال: متى يُعامل المستوطنون كجماعة إرهابية؟ ومتى يتحرك الضمير العالمي ليمنع تكرار مثل هذه الجرائم… قبل أن يُذبح ما تبقى من الحياة في فلسطين؟

اقرأ أيضا: تصعيد الاحتلال في الضفة.. اقتحامات ومستوطنون يهددون بالترحيل