على مدى العقود الماضية، طوّرت إسرائيل والولايات المتحدة قدرات إلكترونية واستخباراتية متقدمة لمراقبة الفلسطينيين وأنصارهم في جميع أنحاء العالم.
ولكن منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، شهدنا تصعيدًا غير مسبوق في استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح رقمي مُدمّر، حيث تم تسخيره لتعقب النشطاء، تنفيذ عمليات القتل المستهدف، التحكم في تدفق المعلومات، وإلغاء تأشيرات الطلاب الذين يُشتبه في دعمهم للقضية الفلسطينية.
لم تعد الحروب تقتصر على ساحات المعارك التقليدية، بل أصبحت تعتمد على بيانات ضخمة تُجمع وتُحلل بواسطة خوارزميات ذكية، تُحدد هوية الأفراد وتوجه الهجمات ضدهم، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو عبر الحرب القانونية والإدارية التي تستهدف المعارضين الفلسطينيين وأنصارهم في مختلف أنحاء العالم.

التقنيات الإسرائيلية: الذكاء الاصطناعي في خدمة الاحتلال
1- وحدة 8200 وأداة ذكاء اصطناعي لمراقبة الفلسطينيين
لعبت وحدة 8200، وهي إحدى أهم الوحدات الاستخباراتية الإسرائيلية، دورًا محوريًا في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لمراقبة الفلسطينيين، حيث تم اعتراض وتحليل مليارات المكالمات الهاتفية والرسائل النصية، ثم استخدامها في بناء نموذج شبيه ببرنامج “تشات جي بي تي”، قادر على تصنيف الأفراد بناءً على محادثاتهم وتحليل أنشطتهم الرقمية.
يُستخدم هذا النظام لتحديد الأشخاص الذين قد يشكلون “خطرًا أمنيًا” وفقًا للتصنيفات الإسرائيلية، وهو ما يؤدي إلى استهدافهم لاحقًا عبر الاعتقال، القتل، أو فرض عقوبات إلكترونية ضدهم.
2- نظام “أربيل” العسكري: القتل بالخوارزميات
“أربيل” هو نظام أسلحة متقدم يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوجيه الهجمات بدقة متناهية.
طُوّر هذا النظام بالشراكة بين الاحتلال وشركة دفاع هندية، ويعتمد على تحليل البيانات القادمة من الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار الأرضية، مما يسمح بضرب الأهداف بدقة متناهية دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
يعد هذا النظام أحد أكثر الأدوات العسكرية تقدمًا، حيث يسهم في تنفيذ عمليات القتل المستهدف بسرعة وبدون تدخل بشري، ما يجعل من الصعب تحميل إسرائيل المسؤولية عن هذه الجرائم أمام المجتمع الدولي.
3- برنامج “لافندر”: التصفية الرقمية للأفراد
يُعتبر “لافندر” واحدًا من أخطر أدوات الذكاء الاصطناعي التي طورتها إسرائيل، حيث يعمل هذا البرنامج على تحليل البيانات الشخصية للأفراد، ثم تصنيفهم وفقًا لمستوى “التهديد” الذي يشكلونه.
يعتمد البرنامج على معايير واسعة النطاق تشمل الاتصالات الشخصية، التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيير الأجهزة الرقمية، ثم يمنح الأفراد درجة رقمية تحدد مدى خطورتهم، مما يسهل استهدافهم بالضربات الجوية أو الاعتقالات.
4- “غوسبل”: قرار الإعدام في ثوانٍ
نظام “غوسبل” هو أداة استخباراتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الاستخباراتية بشكل فوري، ثم تقديم توصيات فورية حول الأهداف التي يجب قصفها أو استهدافها عسكريًا.
يستخدم هذا النظام بيانات القمر الصناعي، الاتصالات المعترضة، وتحليل الصور، مما يسمح بإصدار قرارات فورية حول الهجمات العسكرية، دون الحاجة إلى تأخير الموافقة البشرية.
5- “هبسورا”: التجسس المتكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي
يُعد “هبسورا” نظامًا استخباراتيًا متطورًا يعتمد على تحليل ضخم للبيانات الواردة من جميع المصادر المتاحة، بما في ذلك اعتراضات الاتصالات، التسجيلات المرئية، وبيانات شبكات التواصل الاجتماعي.
يسمح هذا النظام بإجراء عمليات استهداف دقيقة تشمل تحديد مواقع الأنفاق، مخازن الصواريخ، وحتى أماكن اختباء قادة المقاومة، مما يجعله أداة رئيسية في استهداف البنية التحتية لحركات المقاومة الفلسطينية.
التورط الأمريكي: كيف تستخدم واشنطن الذكاء الاصطناعي لقمع مناصري فلسطين؟
لم تكتفِ واشنطن بدعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا، بل استخدمت أيضًا تقنيات الذكاء الاصطناعي في ملاحقة الطلاب والنشطاء المناصرين لفلسطين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
1- مراقبة الطلاب عبر الذكاء الاصطناعي
في أعقاب المظاهرات المؤيدة لفلسطين التي اجتاحت الجامعات الأمريكية منذ أبريل 2024، استخدمت وزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع وزارة العدل والأمن الداخلي الذكاء الاصطناعي لمراقبة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للطلاب الدوليين، بهدف تحديد أي منشورات قد تشير إلى دعمهم لحركة حماس أو المقاومة الفلسطينية.
2- إلغاء التأشيرات بقرار خوارزمي
كشفت تقارير إعلامية أن وزارة الخارجية الأمريكية ألغت تأشيرات مئات الطلاب بعد تحليل بياناتهم على وسائل التواصل الاجتماعي عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن “لن تتسامح مع وجود أي شخص يدعم الإرهابيين”، في إشارة واضحة إلى الفلسطينيين ومناصريهم، مما يعني أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم كأداة عقابية بحق المعارضين للسياسات الإسرائيلية.
3– شركات التكنولوجيا الكبرى في خدمة القمع الرقمي
لعبت شركات التكنولوجيا دورًا أساسيًا في تنفيذ هذه السياسات، حيث كشفت تقارير أن شركة “بالانتير”، وهي إحدى الشركات الكبرى المتخصصة في تحليل البيانات، عملت بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية لتطوير أنظمة قادرة على تصنيف الأفراد وفقًا لانتماءاتهم السياسية، مما يسمح بإلغاء تأشيراتهم أو منعهم من دخول الولايات المتحدة.
الجدل الحقوقي والانتقادات الدولية
أثار استخدام الذكاء الاصطناعي في القمع السياسي والعسكري انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن هذه التقنيات تُستخدم بطريقة غير أخلاقية لقمع الحريات والتلاعب بالمعلومات.
1- منظمة العفو الدولية: الذكاء الاصطناعي أصبح أداة للقمع
أدانت منظمة العفو الدولية استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات التصفية والرقابة الجماعية، معتبرة أن هذه الممارسات تهدد الحق في الخصوصية وحرية التعبير، كما تُشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
2- انتقادات أوروبية لتمويل التكنولوجيا الإسرائيلية
أظهرت تقارير أن الاتحاد الأوروبي قدّم أكثر من 250 مليون دولار لمؤسسات بحثية إسرائيلية طورت تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الحرب على الفلسطينيين، مما أدى إلى مطالبات بوقف هذا التمويل ومحاسبة الشركات المتورطة في إنتاج أدوات المراقبة والقمع.
3- لجنة مكافحة التمييز الأمريكية: الذكاء الاصطناعي أداة رقابية خطيرة
حذرت لجنة مكافحة التمييز الأمريكية من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة وإلغاء تأشيرات الطلاب الدوليين يشكل خطرًا على الحريات الأكاديمية، ويؤدي إلى تكميم الأفواه عبر فرض رقابة خوارزمية على الآراء السياسية.
الذكاء الاصطناعي بين الاستخدام المشروع والانتهاك الممنهج
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية في الحروب الحديثة، ليس فقط كوسيلة قتالية، ولكن أيضًا كسلاح رقابي وأداة قمع سياسي. وبينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي في تطوير هذه التقنيات بالتعاون مع حلفائه الغربيين، يظل التساؤل الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه الانتهاكات دون محاسبة دولية؟
إن التصدي لهذا “الإرهاب الرقمي” يتطلب جهودًا قانونية وتقنية لمواجهة الاستخدام غير الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وفضح الجهات التي توظفه كوسيلة للقمع والاستعمار الحديث.