في واحدة من أكثر القصص دلالة على براعة المقاومة الفلسطينية وقدرتها على تحويل أدوات العدو إلى نقاط قوة، كشفت القناة الإسرائيلية 15، نقلاً عن مصدر أمني، أن كتائب عز الدين القسام استخدمت شرائح اتصالات إسرائيلية (SIM Cards) زرعها الاحتلال في غزة لأغراض التجسس، لإجراء اتصالات مع عائلات الأسرى الإسرائيليين قبيل الإفراج عنهم.

الحدث الذي بدا للوهلة الأولى تقنياً بحتاً، تحوّل إلى مشهد سياسي وأمني بالغ الرمزية، كشف عن إخفاق أمني إسرائيلي مزدوج: فشل استخباري في تأمين أدواته، وفشل معنوي في إدراك كيف يمكن أن تُقلب وسائله عليه بهذه الطريقة المحسوبة.

خطة الاحتلال للتجسس تنقلب ضده

بحسب القناة العبرية، فإن جيش الاحتلال زرع تلك الشرائح في مناطق محددة داخل قطاع غزة خلال فترات التوغّل البري والعمليات الخاصة، بهدف تتبّع حركة الأسرى والمقاومين، ورصد أي إشارات اتصال أو بيانات رقمية يمكن أن تقود إلى تحديد مواقع الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة.

لكن المفاجأة تمثّلت في أن عدداً من هذه الشرائح أُعيد تفعيله قبل ساعات فقط من تنفيذ صفقة التبادل، حيث تلقت عائلات الأسرى اتصالات مباشرة عبرها من داخل غزة، أُجريت بواسطة كتائب القسام، وتحديداً من وحدة الظل المكلفة بحماية الأسرى.

الحدث مثّل صدمة داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، إذ يعني أن القسام لم يكتفِ فقط باكتشاف أدوات التجسس، بل قام بإعادة توظيفها بعد تحليل بنيتها التقنية وفهم بروتوكولات تشغيلها، ما يشير إلى تطوّر نوعي في قدرات المقاومة التقنية والاستخباراتية.

اتصال إنساني من قلب “الوحدة الأمنية”

الاثنين الماضي، سمحت كتائب القسام لعدد من الأسرى الإسرائيليين بإجراء مكالمات مصورة مع ذويهم قبيل الإفراج عنهم.

وأظهرت المشاهد التي بثها الإعلام العبري مقاطع لأسرى يتحدثون إلى عائلاتهم عبر الفيديو، بحضور عناصر من وحدة الظل.

وفي أحد المقاطع، ظهرت والدة الأسير متان أنغريست — إحدى أبرز الناشطات في حراك أهالي الأسرى ضد حكومة نتنياهو — وهي تتحدث إلى ابنها وسط دموع الفرح والدهشة.

اللافت أن الاتصال لم يكن مجرد مبادرة إنسانية، بل رسالة سياسية ذات طابع مزدوج: الأولى موجهة لعائلات الأسرى الإسرائيليين لتأكيد أن المقاومة تُعامل أسراها بما لم يفعله الاحتلال مع الأسرى الفلسطينيين؛ والثانية موجهة للجمهور الإسرائيلي، لتظهر أن كتائب القسام تملك انضباطاً وإنسانية رغم الحرب والحصار، في مقابل الفوضى والانقسام داخل إسرائيل.

البراعة الاستخباراتية للمقاومة

من الناحية التقنية، يؤكد هذا الحادث أن لدى المقاومة منظومة سيبرانية متطورة، قادرة على اكتشاف، تحليل، وإعادة برمجة أدوات زرعتها أجهزة استخبارات مدعومة بتقنيات أميركية وغربية.

نجاح القسام في استخدام الشرائح بطريقة آمنة يشير إلى وجود وحدة تقنية متخصصة في “الهندسة العكسية” (Reverse Engineering) وفك الشيفرات، وهو ما يعكس تطوراً في بنية الأمن المعلوماتي لدى المقاومة.

ويُعتقد أن وحدة الظل — التي تم الكشف عن جزء من عملياتها لأول مرة خلال الحرب — تعمل ضمن منظومة استخباراتية أوسع داخل الجناح العسكري لحماس، تشمل جمع وتحليل البيانات، مراقبة تحركات الاحتلال، والتعامل مع الأجهزة الإلكترونية الحساسة.

وفي حال تأكدت الرواية الإسرائيلية، فستكون هذه السابقة الأولى التي يستخدم فيها تنظيم مقاوم أداة تجسس للعدو كوسيلة اتصال إنساني.

فشل استخباري مزدوج في تل أبيب

التحقيقات الإسرائيلية الداخلية التي بدأت عقب الحادثة تشير إلى ارتباك واضح. فالأمن الداخلي (الشاباك) والاستخبارات العسكرية (أمان) يتبادلان الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن زرع الشرائح، ومن الذي أهمل إجراءات الأمان الرقمي المتعلقة بها.

ووفق صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن بعض الضباط حذروا سابقاً من ترك شرائح مراقبة داخل القطاع خشية وقوعها بيد المقاومة، إلا أن التوصيات لم تُنفذ بسبب “الثقة الزائدة” في قدرة الجيش على مراقبة القطاع عن بعد.

تسرب هذه المعلومات واستخدامها من قبل المقاومة لم يضرب فقط أمن الاتصالات الإسرائيلي، بل أيضاً الثقة الشعبية في قدرات جيش الاحتلال، خاصة بعد سلسلة الإخفاقات الأمنية منذ عملية “طوفان الأقصى” عام 2023.

المعنى الرمزي: تواصل إنساني من رحم الحرب

هذا المشهد، الذي جمع بين تكنولوجيا العدو وإنسانية المقاومة، يختصر الكثير من ملامح الصراع الراهن.

فبينما يواصل الاحتلال استخدام أدواته الإلكترونية للتجسس والتدمير، تستثمر المقاومة ذات الأدوات لتأكيد البعد الإنساني لقضيتها، ولتظهر للعالم أن “المقاتل الفلسطيني” ليس مجرد عنصر عسكري، بل طرف منضبط يسعى لتطبيق قيم إنسانية حتى في أوج الصراع.

استخدام الشرائح كوسيلة اتصال بين الأسرى وذويهم يحمِل رمزية قوية، إذ يعبّر عن قدرة المقاومة على تحويل أدوات السيطرة إلى أدوات تحرر، وأجهزة التجسس إلى قنوات تواصل، في معركة تتجاوز الميدان العسكري إلى فضاء الحرب النفسية والإعلامية.

رسالة ما بعد التبادل

مع انتهاء المرحلة الأولى من صفقة التبادل، تبدو كتائب القسام وكأنها تستثمر كل حدث لتوجيه رسالة مزدوجة: قوة الردع العسكرية، إلى جانب القدرة على إدارة حرب الوعي والمعنويات.

ففي الوقت الذي ينشغل فيه الاحتلال بتقييم خسائره، تُظهر المقاومة للعالم أن أدوات التكنولوجيا الإسرائيلية التي صُممت لتدميرها أصبحت وسيلةً لتأكيد إنسانيتها وقدرتها على التحكم بسردية الحرب.

وبينما لم تُعلّق كتائب القسام رسمياً على تفاصيل الرواية الإسرائيلية، إلا أن المؤكد أن ما جرى لن يكون سوى حلقة جديدة في معركة “العقول والرموز” التي تشنها المقاومة ضد الاحتلال، معادلةً كل محاولة للاختراق بخطوة ذكية تُعيد تعريف ميزان القوة في حرب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضاً بالوعي والتكنولوجيا.

اقرأ أيضًا : رئيس “شؤون العشائر” بغزة يصدم مذيعة «الحدث.. وموجة اتهام للقناة بتبنّي رواية الاحتلال