في مثل هذا اليوم، التاسع من أبريل 2003، تغيّر تاريخ العراق إلى الأبد. سقطت بغداد، العاصمة العريقة، بيد قوات الاحتلال الأمريكي، لتعلن نهاية نظام الرئيس صدام حسين، وبداية فصول طويلة من المعاناة، الانقسامات، والدمار.
لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث عسكري عابر، بل تحوّلت إلى جرح نازف في وجدان الشعوب العربية، ومثال صارخ على كذب السياسات الإمبريالية الأمريكية التي سوّقت حربًا كاملة بناءً على مزاعم ثبت زيفها لاحقًا.
وبينما ادعى جورج بوش أن هدفه هو “تحرير العراق”، كشفت الوقائع عن مشروع لإخضاعه وتفكيكه، وخلق فراغ استراتيجي مهّد لولادة الفوضى والتطرف.

“عملية حرية العراق”… كذبة كبرى باسم الديمقراطية
انطلق العدوان الأمريكي على العراق في 20 مارس/آذار 2003 تحت مسمى “عملية حرية العراق”، دون أي غطاء شرعي من مجلس الأمن الدولي.
كانت الذريعة المعلنة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وعلاقة مزعومة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة. غير أن لجان التفتيش الدولية فشلت في العثور على أي أدلة، وتبين لاحقًا أن تلك المزاعم كانت جزءًا من حملة تضليل ممنهجة نسجها البيت الأبيض لتبرير الغزو.
أُطلقت أولى شرارات الحرب بما سُمّي بـ”الصدمة والترويع”، وهي حملة قصف هستيرية استهدفت بغداد وغيرها من المدن، حيث تعرّضت العاصمة وحدها لألف غارة جوية في ليلة واحدة. وسرعان ما تقدّمت القوات الأمريكية والبريطانية من الجنوب، لتدخل بغداد من عدة محاور، وصولًا إلى ساحة الفردوس، حيث أُسقط تمثال صدام حسين في مشهد مسرحي رتّبته القوات الأمريكية ليبدو وكأنه انتصار شعبي، بينما كان في الحقيقة إعلانًا عن بدء الاحتلال لا التحرير.
وبدلاً من أن يبدأ “العراق الجديد”، كما وعدت واشنطن، دخل البلد في دوامة من الفوضى الأمنية والنهب والاحتراب الطائفي. الوزارات والمؤسسات العامة والمكتبات والمتاحف، ومنها المتحف الوطني العراقي، نُهبت وأُحرقت، وسط صمت وتواطؤ القوات الأمريكية، التي وقفت متفرجة على انهيار الدولة.
صدمة عربية ودمار إنساني… من المسؤول؟
خلّف سقوط بغداد صدمة كبرى لدى الشعوب العربية، حيث خرجت مظاهرات غاضبة في القاهرة ودمشق وعمان وصنعاء والرباط، تُندد بالغزو الأمريكي وتُحمّل الأنظمة العربية مسؤولية التواطؤ أو الصمت.
شعر الملايين بأن العاصمة التي كانت إحدى أهم عواصم الثقافة والسياسة العربية، أُسقطت ليس فقط عسكريًا، بل رمزيًا ومعنويًا، بما يمثل انهيارًا لمشروع عربي جامع كانت بغداد تشكل أحد أعمدته.
رأى كثير من المراقبين أن الكارثة لم تكن لحظة مفاجئة، بل نتيجة لتراكمات من الضعف العربي والتفكك الإقليمي، والتبعية السياسية لدول كبرى، في ظل عجز تام عن التأثير في القرار الدولي أو حماية دولة عربية من الغزو المباشر.
أما الكارثة الإنسانية فكانت هائلة. فبحسب دراسات متعددة، تجاوز عدد الضحايا المدنيين مئات الآلاف. تقرير لمجلة “ذا لانسيت” البريطانية (2006) قدّر عدد القتلى بـ655 ألفًا، بينما أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أرقام تراوحت بين 140 إلى 230 ألفًا.
ومع تسريبات “ويكيليكس” عام 2010، انكشفت حقائق مروّعة عن مقتل أكثر من 109 آلاف عراقي، فيما قدّرت مصادر أخرى أن العدد الحقيقي يتجاوز 2.4 مليون قتيل، وأكثر من 5 ملايين مهجّر، إضافة إلى مئات الآلاف من المعتقلين والمختفين قسرًا.
أبو غريب والوجه القبيح للاحتلال
إذا كانت صور إسقاط تمثال صدام هي لحظة رمزية لسقوط النظام، فإن صور سجن أبو غريب كشفت عن الوجه الحقيقي للاحتلال.
ففي عام 2004، انفجرت فضيحة تعذيب المعتقلين العراقيين داخل هذا السجن الواقع قرب بغداد، حيث ظهرت صور لممارسات مهينة بحق السجناء شملت الاغتصاب والتعذيب والانتهاكات الجنسية، على يد عناصر من الشرطة العسكرية الأمريكية وموظفين من وكالات أمنية سرية.
تقديرات الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن آلاف العراقيين، بينهم نساء وأطفال، اعتُقلوا دون أدلة، وأن نحو 90% منهم لم تكن لديهم صلة بالمقاومة أو الأعمال المسلحة. كما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عام 2023 أن أساليب التحقيق الوحشية المستخدمة في غوانتانامو تم تصديرها إلى العراق، مما ألحق ضررًا فادحًا بصورة الولايات المتحدة عالميًا.
فضيحة أبو غريب لم تُمحَ من الذاكرة، ولم تتحوّل إلى مجرد ماضٍ، بل لا تزال رمزًا للإذلال الذي مارسته أمريكا باسم “الديمقراطية”.
انسحاب بلا ندم… واحتلال مستمر بأشكال جديدة
في عام 2011، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما نهاية الحرب، وسحب القوات الأمريكية من العراق.
لكن هذه النهاية كانت شكلية. فقد عادت القوات الأمريكية عام 2014 تحت ذريعة “محاربة تنظيم الدولة”، في حين لم ينتهِ النفوذ الأمريكي من البلاد، بل تحوّل إلى شكل من أشكال الاحتلال الناعم، عبر التدخل السياسي والعسكري، ودعم أطراف بعينها داخل المشهد العراقي.
واليوم، وبعد 22 عامًا على سقوط بغداد، لا يزال العراق يعاني من آثار الاحتلال: بنية مدمرة، نسيج اجتماعي ممزق، طبقة سياسية فاسدة نشأت برعاية الاحتلال، وبلدٌ يئنّ تحت وطأة التدخلات الخارجية. لقد كشفت تجربة الغزو الأمريكي أن الديمقراطية لا تُفرض بالقنابل، بل تُبنى بالإرادة الشعبية، وأن الأكاذيب الكبرى قد تُسقط نظامًا، لكنها لا تبني وطنًا.
خاتمة:
في ذكرى سقوط بغداد، لا يكفي أن نُحيي الألم، بل علينا أن نُعيد قراءة ما جرى بعيون الناقد والباحث عن الحقيقة. لقد فضحت العراق ما يُسمّى “النظام الدولي”، وكشفت حدود القوة الأمريكية حين تُوظَّف لأهداف استعمارية مقنّعة. والدرس الأهم: أن غياب الإرادة العربية هو ما سمح للغزاة بالدخول، وما يزال يُمهّد لتكرار الكارثة في أماكن أخرى.