في مشهد نادر لكنه يعكس حجم الانقسام داخل النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وجّه رئيس الأركان الأسبق لجيش الاحتلال، دان حالوتس، هجومًا عنيفًا ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واصفًا إياه صراحة بـ”العدو” الذي بات يشكل خطرًا على أمن الدولة.
وقال حالوتس، الذي شغل رئاسة الأركان بين عامي 2005 و2007، إن “نتنياهو عدو، وهذا العدو يجب إخضاعه وأخذه أسيرًا”، في تصريح لا يقل خطورة عن كونه تشكيكًا صريحًا بشرعية القيادة الحالية، واتهامًا ضمنيًا لها بتعريض إسرائيل للانهيار السياسي والأمني.
تصريحات حالوتس جاءت متزامنة مع موجة غضب تتصاعد داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية، بعد أشهر من الحرب الكارثية على قطاع غزة، والتي ألحقت ضررًا بالغًا بصورة المؤسسة العسكرية، كما كشفت عن فشل القيادة السياسية في إدارة الأزمة. وما يلفت النظر أن حالوتس، المعروف بميوله اليمينية، لم يعد يرى في نتنياهو حاميًا لإسرائيل، بل عبئًا استراتيجيًا يُهدد وجودها.
ويبدو أن هذه الانتقادات لم تعد حكرًا على أفراد أو متقاعدين، بل تشكلت كتيار ضغط واسع داخل المؤسسة الأمنية، بلغ ذروته مع الرسالة الموقعة من قبل أكثر من 250 عنصرا سابقا في جهاز “الموساد”، طالبوا فيها بوقف الحرب فورًا، وإعادة جميع الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية.
ومن بين الموقعين على الرسالة، ثلاثة رؤساء سابقين للموساد هم: داني ياتوم، وأفرايم هاليفي، وتمير باردو، بالإضافة إلى عشرات من القيادات العليا السابقة، في مشهد يعكس عدم الثقة بالمسار السياسي والعسكري الحالي. الرسالة حملت أيضًا اتهامًا ضمنيًا للحكومة بالفشل في استرداد الأسرى، وإطالة أمد الحرب لأسباب انتخابية وشخصية.
الشارع الإسرائيلي يغلي: ديرمر تحت نيران الغضب الشعبي
وفي مظهر آخر من ملامح التآكل الداخلي، خرجت مظاهرات حاشدة في القدس المحتلة أمام منزل الوزير رون ديرمر، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع حركة حماس، بعد أن عيّنه نتنياهو بديلًا لرئيس الموساد ديفيد برنياع قبل شهرين.
المحتجون، وغالبيتهم من عائلات الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة، اتهموا ديرمر علنًا بـ”التخريب المتعمد” لمسار المفاوضات، وتعمّد إطالة أمد المفاوضات بهدف دفن ملف الأسرى سياسيًا.
وقالت عيناف تسينغاوكر، والدة أحد الأسرى، إن “ديرمر انضم لفريق المفاوضات من أجل إحباطها، ولدفن جميع المحتجزين تحت وطأة الحرب”، متهمة الحكومة باستخدام أبنائهم كورقة تفاوضية لشراء الوقت.
وتشهد إسرائيل منذ أسابيع تظاهرات ليلية ويومية يقودها ذوو الأسرى، تطالب بإقالة نتنياهو وفريقه الأمني، متهمين إياهم بالخداع والمماطلة، وعدم الجدية في التفاوض.
وتحمل هذه الاحتجاجات دلالات خطيرة على صعيد التآكل الاجتماعي والثقة بالمؤسسات، حيث بات أهالي الجنود يتعاملون مع الدولة كما لو كانت “تتآمر” على أبنائهم.
ضربات المقاومة في العمق السياسي الإسرائيلي
في ظل كل هذه الفوضى، تُظهر المقاومة الفلسطينية قدرة فائقة على التأثير النفسي والسياسي داخل إسرائيل. فمنذ 7 أكتوبر، لم تقتصر ضربات المقاومة على الجانب العسكري، بل نجحت في تفجير التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي، وكشف هشاشة المنظومة السياسية التي كانت تتفاخر بالقوة والوحدة.
الاحتلال، الذي يعاني من أزمة قيادة وارتباك استراتيجي، يواجه اليوم أزمة ثقة داخل مؤسساته الأمنية والعسكرية، وتمرّدًا سياسيًا داخل العمق الإسرائيلي.
لقد نجحت المقاومة، من خلال استمرار احتجاز الأسرى وتعقيد الملف التفاوضي، في تحويل الرأي العام الإسرائيلي إلى أداة ضغط على القيادة، وهي سابقة نادرة في تاريخ الصراع، حيث باتت أصوات من داخل جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية تُطالب بالاستسلام السياسي من أجل استعادة الجنود.
وبينما تتوسع الفجوة بين القيادة السياسية وذوي الجنود، تواصل المقاومة تعزيز موقفها التفاوضي، مستفيدة من الانقسام الداخلي الإسرائيلي. وبات واضحًا أن حكومة نتنياهو لم تعد قادرة على توحيد الإسرائيليين خلف رواية “الحرب ضد الإرهاب”، بل تواجه موجة تمرّد مجتمعي ومؤسساتي قد تطيح بها في نهاية المطاف.
في المحصلة، يظهر أن تل أبيب تعيش أسوأ مراحل الانقسام الداخلي منذ عقود، مع تشققات تتسع بين الجيش، الموساد، الشاباك، والجهاز السياسي، وكل ذلك يعزز القول إن الحرب في غزة ليست فقط عسكرية، بل سياسية وأخلاقية داخل إسرائيل نفسها.