في مقابلة بثتها القناة 12 العبرية، خرج أهارون حاليفا، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي “أمان”، باعترافات غير مسبوقة حول أحداث 7 أكتوبر، محمّلاً نفسه وجهازه مسؤولية الفشل الاستخباراتي والأمني، وكاشفاً عن خطط جهاز “الشاباك” لاغتيال قادة المقاومة الفلسطينية يحيى السنوار ومحمد الضيف قبل الهجوم المفاجئ.
تصريحات حاليفا لم تقتصر على كشف تفاصيل العمليات الفاشلة، بل تطرقت إلى رؤية أعمق حول انهيار المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وإلى فلسفة دموية صادمة بشأن حصيلة القتلى الفلسطينيين في غزة.
![]()
خطط اغتيال مؤجلة.. والمقاومة تباغت الاحتلال
بحسب حاليفا، فإن “الشاباك” كان قد بدأ فعلياً في وضع خطط لاغتيال قائد كتائب القسام محمد الضيف ورئيس حركة “حماس” في غزة يحيى السنوار قبل 7 أكتوبر. وأوضح أن المسؤولين الأمنيين شرحوا له أن عملية إعادة التنظيم لجمع المعلومات ستبدأ بعد انتهاء الأعياد اليهودية، لتكون تمهيداً لتصفية أبرز قادة المقاومة.
هذا الاعتراف يكشف أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانت منشغلة بخطط استباقية لم تكتمل، بينما كانت “حماس” تُعِدّ لأكبر هجوم مباغت في تاريخ الصراع منذ 1948.
إقرار حاليفا بأن الاستخبارات كانت منشغلة بـ”تأجيل” عمليات حيوية حتى ما بعد الأعياد، يكشف حجم الخلل البنيوي في تقدير الموقف، حيث تعاملت الأجهزة مع التهديد كحدث مؤجل وغير عاجل، وهو ما أدى إلى مفاجأتها بالكامل فجر 7 أكتوبر.
“الغرور الاستخباراتي”.. اعتراف بانهيار المنظومة
انتقد حاليفا، وهو أحد أبرز قادة الأمن السابقين، عقلية الغطرسة التي هيمنت على أجهزة الاستخبارات قبل الهجوم، قائلاً: “الاستخبارات حتى 7 أكتوبر كانت تقول: أنا قادرة على كل شيء”. وأشار إلى أن هذا الشعور لم يكن مجرد غرور بل مرض مؤسساتي عميق جعل الأجهزة تظن أنها تستطيع السيطرة على كل الاحتمالات.
حاليفا ذكّر بسوابق عالمية مثل بيرل هاربر وهجمات 11 سبتمبر وحرب أكتوبر 1973 ليقول إن “المفاجآت الاستراتيجية يمكن أن تتكرر”، وإن إسرائيل لم تتعلم من تجاربها السابقة. وهو بذلك يُقرّ أن “أمان” لم يكن مجرد ضحية خلل عابر، بل أسير بنية كاملة من العمى الاستراتيجي.
ليلة 7 أكتوبر.. ثقة عمياء وتقديرات خاطئة
روى حاليفا تفاصيل ما جرى في ليلة الهجوم، قائلاً إن مساعدته أبلغته بوجود “حدث ما” وأن الضباط في الجنوب يتابعون الموقف، لكنها لم تستدعِه مرة أخرى. وبحسبه، كان هناك تقدير مكتوب من الشاباك يؤكد أن “الهدوء سيستمر”، ما رسّخ الاطمئنان الكاذب لدى القيادة.
يصف حاليفا الاستخبارات بأنها “لغز جنوني”، حيث تتدفق آلاف المعلومات الصغيرة والمتضاربة يومياً، ولو اتخذ الجيش قراراً بناءً على كل معلومة لكان أبقى مئات آلاف الجنود في حالة استنفار دائم. لكنه أقرّ أن الاعتماد المفرط على فرضية أن “المعلومات الحاسمة ستأتي في وقتها” كان خطأ قاتلاً أدى إلى أكبر اختراق أمني في تاريخ إسرائيل.
حرب إبادة.. “نكبة مطلوبة للأجيال القادمة”
أكثر تصريحات حاليفا إثارة للجدل كانت تلك التي تناولت حصيلة القتلى في غزة. فقد قال بوضوح: “حقيقة أن هناك 50 ألف قتيل في غزة أمر ضروري ومطلوب للأجيال القادمة”. واعتبر أن “على كل إسرائيلي قُتل في 7 أكتوبر أن يموت مقابله 50 فلسطينياً”، في رؤية تعكس ذهنية العقاب الجماعي والإبادة كأسلوب للردع.
هذه الكلمات تكشف أن المذبحة المستمرة في غزة ليست مجرد “انفلات عسكري” بل جزء من عقلية أمنية ترى في الدم الفلسطيني وسيلة تربوية وردعية للأجيال المقبلة. حاليفا نفسه وصفها بأنها “نكبة من وقت لآخر” ضرورية لضبط “الحي المضطرب”، وهو تصريح يؤكد استمرارية المشروع الاستعماري الاستئصالي الذي تنتهجه إسرائيل منذ 1948.
المقاومة تفوقت.. والإخفاق أكبر من مجرد أشخاص
أصر حاليفا على أن ما جرى ليس “حادثاً فردياً” ولا نتيجة تقصير قائد بعينه مثل رئيس الأركان هرتسي هاليفي، بل “حدث استراتيجي أكبر بكثير يتطلب تفكيكاً وإعادة تجميع كامل للمنظومة الأمنية”. وهو بهذا يلمّح إلى أن فشل 7 أكتوبر لم يكن في رصد الأنفاق أو اعتراض الاتصالات، بل في الفهم الجذري لطبيعة المقاومة الفلسطينية.
لقد أثبتت كتائب القسام أنها قادرة على إرباك المنظومة الأمنية الأكثر تطوراً في المنطقة، وأنها وظفت براعة استخبارية وعسكرية قلبت موازين القوة. تصريحات حاليفا، وإن كانت محاولة لتبرير الفشل، فإنها تكشف إقراراً ضمنياً بتفوق المقاومة على “أمان” والشاباك والموساد مجتمعين.
دلالات الاعترافات: إسرائيل في أزمة وجودية
تأتي اعترافات حاليفا في سياق أزمة ثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تتصاعد الأصوات المطالبة بلجان تحقيق رسمية ومحاسبة القادة الأمنيين والسياسيين. لكنها أيضاً تحمل رسائل أخطر:
- إقرار بالهشاشة الاستراتيجية: إسرائيل ليست محصنة من المفاجآت، وقد تتعرض لانهيارات مشابهة في المستقبل.
- شرعنة الإبادة: تحويل مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين إلى “ضرورة” هو جزء من العقيدة الأمنية، ما يعكس غياب أي نية لسلام عادل.
- التفوق المقاوم: نجاح حماس في إحداث الصدمة الكبرى، جعل حتى قادة “أمان” يقرّون بأن إعادة بناء المنظومة الأمنية باتت حاجة وجودية.
خلاصة
تكشف تصريحات رئيس “أمان” السابق أن إسرائيل لم تخسر فقط في الميدان يوم 7 أكتوبر، بل خسرت في عمقها الاستراتيجي أيضاً. الاعترافات أظهرت أن المقاومة الفلسطينية لم تُفاجئ الاحتلال بسلاح أو نفق، بل باغتته في عقلية أمنية مترهلة، غارقة في الغرور والاستخفاف بالخصم. ومع تحوّل غزة إلى مسرح إبادة جماعية مبررة بخطاب رسمي، يبدو أن الاحتلال يواجه أزمة أخلاقية واستراتيجية ستبقى تطارده طويلاً، فيما تواصل المقاومة إثبات أن التفوق لا يُقاس فقط بالسلاح، بل بقدرة الشعوب على قلب الطاولة حين يُغلق الاحتلال كل أبواب الأفق.
اقرأ أيضًا : موجة انتحار تضرب جيش الاحتلال.. ضابط احتياط يطلق النار على نفسه في أحراش الجليل