في أول تصريحاته بعد تعيينه رئيسًا لجهاز “الشاباك”، أقر ديفيد زيني بواحدة من أخطر الاعترافات التي تصدر عن رأس الهرم الأمني الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023، قائلاً إن “الفشل كان عميقًا وواسع النطاق”. تصريح لا يحمل فقط بُعدًا اعترافيًا، بل يعكس حجم الأزمة العميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات جوهرية: من يتحمل المسؤولية الحقيقية؟ وهل يدفع جهاز الأمن العام وحده ثمن الانهيار؟
اعتراف نادر من داخل الجهاز
وصف زيني هجوم كتائب القسام بـ”الفشل غير المحدد”، مؤكدًا أنه “واسع ويشمل الجميع”. وهذه العبارة تحمل دلالات كبيرة، أولها أن الخلل لم يكن مجرد تقصير استخباري محدود، بل انهيار في منظومة التنسيق بين الجيش والشاباك والحكومة، خاصة في ظل تجاهل تحذيرات مسبقة وردت قبل الهجوم، كما كشفت تقارير لاحقة.
ومع أن الاعتراف جاء من زيني، إلا أن سلفه رونين بار لم يُعف من المسؤولية، خصوصًا وأنه أُقيل في أجواء مشحونة بالخلافات مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما يعكس محاولة واضحة من الأخيرة لإلقاء اللوم على الأجهزة الأمنية وتبرئة الساحة السياسية.
أزمة الشرعية… ومخالفة التعيين
تعيين زيني نفسه أثار جدلًا كبيرًا في إسرائيل، بعدما اعتبرته المحكمة العليا “غير قانوني” بسبب فترة الحكومة الانتقالية، إضافة إلى الرفض الشعبي والمعارضة السياسية التي اعتبرت الخطوة التفافًا على المساءلة القانونية في ظل إخفاقات 7 أكتوبر.
ويبدو أن المؤسسة القضائية الإسرائيلية بدأت تحاول فرض توازن بين مؤسسات الدولة بعد أن تعاظم نفوذ الأمن والجيش على حساب القانون، خصوصًا خلال الحرب الحالية على غزة.
المعركة مستمرة… والمقاومة ترد
بينما تتصارع القيادات الإسرائيلية على من يتحمل المسؤولية، تواصل المقاومة الفلسطينية إرسال رسائلها الميدانية. ففي يوم إعلان زيني، قُتل أربعة جنود إسرائيليين، وأصيب آخر بجراح خطيرة في كمين شرق خانيونس. العملية جاءت بعد كمائن مماثلة في جباليا، لتؤكد أن المقاومة لا تزال قادرة على الضرب خلف خطوط التوغل، رغم القصف والتدمير.
تصريحات المتحدث باسم كتائب القسام لم تخلُ من رسائل استراتيجية، فقد قال إن ما يجري “نموذج لما سيواجهه الاحتلال في كل مكان”، مشيرًا إلى أن المعركة لم تفقد زخمها رغم مرور أشهر طويلة على بدايتها، وأن الضربات النوعية مستمرة.
من يتحمل المسؤولية فعليًا؟
منذ 7 أكتوبر، تتبادل أطراف المؤسسة الإسرائيلية الاتهامات:
- الجيش يتهم “الشاباك” بعدم تمرير التحذيرات.
- الشاباك يرد بأن الإنذارات لم تكن دقيقة كفاية، وأن الجيش تجاهلها.
- نتنياهو يحمّل الأجهزة الأمنية المسؤولية ويُقصي كبار قادتها، لكنه يواجه انتقادات بأنه هو من عطّل الإصلاحات، واهتم بمشروع “التعديلات القضائية” بدل التركيز على التهديدات الأمنية.
- المعارضة تطالب بلجنة تحقيق رسمية، وتصف ما حدث بأنه أكبر إخفاق استراتيجي منذ قيام دولة الاحتلال.
اعتراف ديفيد زيني لا يفتح فقط صفحة جديدة في قيادة الشاباك، بل يكشف أن الأزمة داخل المؤسسة الأمنية لا تزال مستمرة، وأن المحاسبة الحقيقية لم تبدأ بعد. فما لم يحدث تحقيق مستقل وشامل في فشل 7 أكتوبر، فإن تكرار الكارثة يبقى احتمالًا واردًا.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه الإسرائيليون اليوم: هل ستقود هذه الاعترافات إلى مساءلة حقيقية؟ أم أنها مجرد محاولة لامتصاص الغضب الشعبي قبل الانفجار القادم؟
اقرأ أيضا: الاحتلال يعترف و”الداخلية” تتوعد.. غزة تشتعل في مواجهة العصابات المدعومة إسرائيليًا