أطلق رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست، بوعيز بسموث، تصريحات مثيرة للجدل تكشف عن الرؤية الإسرائيلية تجاه سوريا، حيث أكد أن “سوريا يجب أن تخضع لإرادة تل أبيب”، مشبهاً ذلك بالنفوذ الإسرائيلي القوي داخل الأردن، الذي وصفه بأنه “يمكننا إيقاظ ملكه من غرفة نومه لتنفيذ أوامرنا”.

تصريحات بسموث أثارت العديد من التساؤلات حول مشروع الاحتلال في المنطقة، ودورها في تفتيت سوريا عبر استغلال الورقة الطائفية ودعم الأقليات كالدروز والأكراد.

هذه التصريحات، التي جاءت خلال اجتماع للجنة الأمن القومي في الكنيست، لم تكن مجرد كلام سياسي عابر، بل تعكس عقيدة إسرائيلية راسخة تقوم على الهيمنة الأمنية والاستخباراتية في المنطقة، خاصة تجاه الدول المجاورة التي تُعتبرها إسرائيل تهديدًا محتملاً أو بيئة قابلة لإعادة التشكيل وفقًا لمصالحها. 

فمنذ عقود، اعتمدت إسرائيل على استراتيجية إخضاع الدول العربية المحيطة إما بالقوة العسكرية أو عبر النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، كما حدث في الأردن الذي وقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1994، وباتت قراراته السيادية مقيدة إلى حد بعيد بالمصالح الإسرائيلية.

ما يثير القلق في تصريحات بسموث ليس فقط تأكيده على ضرورة السيطرة على سوريا، ولكن أيضًا الطريقة التي تحدث بها عن قدرة إسرائيل على اختراق سيادة الدول المجاورة والتحكم بقراراتها. 

تشبيهه لسوريا بالأردن يعني أن تل أبيب لا تكتفي بإضعاف دمشق، بل تسعى لجعلها دولة تابعة، تفتقد الاستقلالية في قراراتها، وتخضع للنفوذ الإسرائيلي المباشر.

والأخطر من ذلك، أن بسموث لم يخفِ نية إسرائيل في الاستمرار بتنفيذ عمليات اغتيال وعمليات استخباراتية داخل سوريا، عندما أشار بوضوح إلى أن “الموساد سيستهدف الأشخاص في سوريا”، مما يكشف عن استمرار النهج الإسرائيلي في استخدام الاغتيالات كأداة لإخضاع القيادات السياسية والعسكرية السورية، وإبقاء البلاد في حالة من عدم الاستقرار المستمر.

المشروع الإسرائيلي في سوريا: إخضاع وتفتيت؟

التصريحات الصادرة عن رئيس لجنة الأمن القومي الإسرائيلي لا تأتي من فراغ، بل تتسق مع استراتيجية الاحتلال طويلة الأمد تجاه سوريا، التي ترتكز على مبدأين رئيسيين: إضعاف سوريا كدولة مركزية قوية، وضمان تبعيتها للقرار الإسرائيلي.

الاحتلال الذي دعم بشكل غير مباشر الفصائل الكردية في شمال سوريا، تسعى لتعزيز النزعات الانفصالية داخل البلاد، وهو ما يخدم مخططها لضمان تفتيت سوريا إلى كيانات ضعيفة متناحرة، تسهل السيطرة عليها.

حديث بسموث عن سوريا يجب أن تُصبح مثل الأردن، يحمل دلالات خطيرة، فالأردن منذ توقيعه اتفاقية وادي عربة عام 1994 أصبح جزءًا من المنظومة الأمنية الإسرائيلية، إذ تخترق تل أبيب أجهزته السياسية والعسكرية، ولها نفوذ واسع على قراراته. 

إذا كانت إسرائيل تسعى لتحويل سوريا إلى نموذج مشابه، فهذا يعني فرض تبعية مباشرة، ومنع أي استقلالية للقرار السوري، مما يحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للموساد والعمليات الاستخباراتية الإسرائيلية، كما ألمح بسموث بأن “الموساد سيستهدف الأشخاص داخل سوريا”، في إشارة إلى استمرار سياسة الاغتيالات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

الورقة الطائفية: سلاح تل أبيب لإفشال الثورة وتمزيق الوحدة السورية

منذ سقوط نظام بشار الأسد استخدمت إسرائيل الطائفية كسلاح خفي لإضعاف وحدة البلاد، فتصريحات بسموث تتماشى مع هذه السياسة، حيث أشار ضمنيًا إلى التعهدات الصهيونية بحماية الأكراد والدروز، وهو ما يعكس السياسة الإسرائيلية في استغلال الأقليات لتحقيق أهدافها.

تل أبيب تدرك أن تأجيج الصراعات الطائفية هو الطريق الأسرع لتقسيم سوريا، فمنذ سنوات دعمت الفصائل الكردية بالسلاح والتدريب، وعززت دورها في شمال البلاد، في حين قدمت الدعم للدروز في الجنوب، في محاولة لاستخدام هذه المكونات كأدوات نفوذ ضد النظام السوري والمعارضة على حد سواء.

إسرائيل لطالما تعاملت مع الطوائف في سوريا بمنطق “فرق تسد”، فمن ناحية، تستثمر في العلاقة مع بعض القادة الأكراد لتعزيز مشروع “كردستان سوريا”، ومن ناحية أخرى تحاول استمالة بعض القيادات الدرزية عبر تقديم نفسها كحامٍ لهم في ظل الفوضى المستمرة.

هذا الدعم ليس بدافع إنساني، بل هو تكتيك استراتيجي لضمان وجود كيانات ضعيفة تعتمد على الحماية الإسرائيلية، مما يجعل سوريا غير قادرة على النهوض كدولة موحدة.

اللافت أن المشروع الإسرائيلي لا يقتصر فقط على دعم الأقليات وإشعال الفتنة الطائفية، بل يمتد إلى التلاعب بالصراعات الداخلية وإعادة رسم الخريطة الديمغرافية بما يخدم مصالح تل أبيب. 

فمنذ سنوات، عمل الاحتلال على تنفيذ عمليات تهجير غير مباشرة، عبر دعم مجموعات معينة، والسماح لها بإقامة كيانات شبه مستقلة، مثلما حدث مع الأكراد في الشمال والدروز في الجنوب، في محاولة لإضعاف السلطة المركزية في دمشق.

ما وراء التصريحات: نحو مرحلة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية؟

تصريحات بوعيز بسموث قد تكون مؤشرًا على مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي تجاه سوريا، تتجاوز الضربات العسكرية المحدودة إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد، يكون فيه لإسرائيل اليد الطولى في تقرير مصير سوريا. 

فإذا كان الأردن قد أصبح نموذجًا للنفوذ الإسرائيلي الكامل، وذلك تجلى من قول المسؤول الإسرائيلي “أننا نوقظ ملك الأردن من غرفة نومه لتنفيذ أمرنا” فإن تل أبيب تسعى الآن لنسخ هذا النموذج في سوريا، عبر تحييد دور دمشق، وإبقاء البلاد في حالة من الفوضى الأمنية والتبعية السياسية.

لكن رغم كل هذه المحاولات، تبقى المعادلة السورية أكثر تعقيدًا مما تتوقعه تل أبيب، فالوضع الداخلي في سوريا، رغم هشاشته، لا يزال يحتفظ بعناصر مقاومة قد تعرقل هذا المشروع. 

فهل ستنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في سوريا، أم أن التحولات الإقليمية قد تفرض عليها حدودًا جديدة لطموحاتها التوسعية؟

اقرأ أيضًا : ضربات حاسمة ضد بقايا الأسد.. الجيش السوري يطوّق الفلول