في تطور سياسي وأمني لافت يعكس حجم الاضطراب في الجنوب اليمني، غادر رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي القصر الرئاسي في عدن بصورة مفاجئة، متوجهًا إلى الخارج لإجراء مشاورات عاجلة في ظل توتر متصاعد في محافظات الجنوب، خاصة بعد تحركات عسكرية وأمنية قامت بها ميليشيا الإمارات خلال الأيام الماضية. هذه المغادرة غير المعلنة مسبقًا فتحت الباب أمام تساؤلات عديدة حول توازنات القوى في الجنوب، ومستقبل الشرعية، وإمكان عودة الصراع الداخلي داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
التحرك الذي قام به العليمي ليس مجرد زيارة بروتوكولية، بل يبدو أقرب إلى هروب سياسي من ضغوط تتجاوز قدرته على الإدارة، خاصة بعد أن تعاظم نفوذ المكونات المسلحة المدعومة من أبوظبي، والتي باتت تُعامل نفسها كقوة أمر واقع لا تخضع لسلطة الدولة ولا تتقيد بتوجيهاتها السياسية أو العسكرية. وفي ظل هذه المعادلة المختلة، أصبحت قدرة الرئاسة اليمنية على إدارة عدن مجرد عنوان بلا مضمون فعلي.

مشهد جنوب يتغير: الدولة تغادر والمليشيا تتمدد
منذ سنوات، تلعب الميليشيات المدعومة إماراتيًا دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الخريطة السياسية في الجنوب. هي لا تعمل كجزء من الدولة بل كسلطة موازية، تمتلك المال والسلاح والغطاء الإقليمي، وهو ما جعلها القوة الأكثر تأثيرًا في المحافظات الجنوبية، خصوصًا عدن وحضرموت وشبوة.
ومع كل محطة سياسية جديدة، يتضح أن الدولة اليمنية فقدت جزءًا أكبر من قدرتها على التحكم في قرار الجنوب، بينما باتت الميليشيات تتوسع في فرض أمر واقع جديد. التحشيدات الأخيرة في حضرموت، وتغيير ولاءات وحدات عسكرية، وتزايد صدقية الحديث عن “مناطق نفوذ” خاصة بتلك القوات، كلها مؤشرات على أن الجنوب يدخل مرحلة تشظٍّ جديد قد يتطور إلى صراع داخلي واسع.
في هذا السياق، تبدو مغادرة العليمي كإحدى علامات الانكسار السياسي أمام قوة عسكرية باتت تفوق ما تمتلكه الشرعية نفسها من نفوذ، فيما يُنذر بأن عدن قد تكون خلال الفترة المقبلة ساحة صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة المركزية، ومشروع التقسيم المدعوم خارجيًا.
لماذا غادر العليمي؟ ثلاث رسائل داخلية وخارجية
1. رسالة اعتراف بالعجز
تصرف العليمي يُقرأ كإشارة مهمة على تراجع قدرته على إدارة المشهد المعقد في عدن، خاصة بعد أن تحول القصر الرئاسي نفسه إلى موقع محاصر بمعادلات سياسية وأمنية لم يعد قادرًا على السيطرة عليها. في ظروف كهذه، يصبح الخروج ضرورة وليس خيارًا.
2. رسالة اعتراض على هيمنة الميليشيا
المغادرة تحمل أيضًا احتجاجًا غير معلن على سلوك ميليشيا الإمارات التي تواصل قضم مؤسسات الدولة وخلق صورة مشابهة لما حدث في أعوام سابقة، حين تقلصت سلطة الشرعية إلى واجهة إعلامية بينما تحكم القوى الموازية الواقع على الأرض.
3. رسالة استنجاد إقليمي
العليمي يدرك أن حل الأزمة يتجاوز قدرات الداخل؛ فهو يسعى إلى إعادة ترتيب الأوراق عبر دعم خارجي قد يعيد التوازن، أو يضغط على الأطراف المسلحة لوقف التمدد وفتح مساحة آمنة للدولة للعمل.
الجنوب على صفيح ساخن: سيناريوهات التصعيد المقبلة
التوتر المتصاعد يقود إلى ثلاثة احتمالات رئيسية:
السيناريو الأول: إعادة اصطفاف سياسي واسع
قد تؤدي مغادرة العليمي إلى اتصالات مكثفة مع الأطراف الإقليمية لإعادة بناء تحالفات جديدة تسمح باستعادة جزء من حضور الدولة، خصوصًا في ظل رفض شعبي واسع لفكرة الحكم الميليشياوي.
السيناريو الثاني: تصعيد ميداني خطير
إذا استمرت الميليشيات المدعومة إماراتيًا في خطوات فرض السيطرة على المحافظات الشرقية، فقد نشهد اشتباكات بين قوات الدولة ووحدات مسلحة رافضة للهيمَنة، خصوصًا في حضرموت وسيئون.
السيناريو الثالث: تثبيت واقع الانقسام
قد يتكرس وضع شبيه بما حدث عام 2019: شرعية خارج عدن، وقوة ميدانية تحكم الداخل، ما يضع اليمن أمام جولة جديدة من تفكك السلطة وتراجع النفوذ الوطني لصالح مشاريع التقسيم.
هل تستطيع الدولة استعادة زمام المبادرة؟
استعادة الشرعية لعدن ليست مسألة عسكرية فقط، بل سياسية بالدرجة الأولى. الدولة تحتاج إلى:
- إعادة بناء مؤسسة الجيش بعيدًا عن المحاصصة.
- توحيد القرار الأمني في الجنوب.
- خلق تحالف سياسي داخلي يرفض تفتيت اليمن.
- ضمان دعم إقليمي يمنع تحويل عدن إلى منطقة نفوذ مغلقة بيد الميليشيات.
إذا توفرت هذه العناصر، يمكن للدولة أن تعود بثقل أكبر وقدرة حقيقية على إدارة الجنوب. أما إذا بقيت الميليشيات تتمدد دون رادع، فالمشهد مقبل على مزيد من التصدع، وسيجد اليمن نفسه أمام نسخة جديدة من صراع 2018–2019، لكن هذه المرة بصيغة أكثر خطورة واتساعًا.
خلاصة المشهد
خروج رئيس مجلس القيادة من عدن لا يمكن اعتباره خطوة عابرة، بل هو لحظة فارقة تكشف حقيقة ميزان القوى في الجنوب: الدولة تغادر، وميليشيا الإمارات تبقى.
هذا التباين يحدد مستقبل اليمن في المرحلة المقبلة، ويطرح سؤالًا محوريًا:
هل يستطيع اليمن أن ينتصر لمشروع الدولة، أم أن الجنوب يتجه إلى نموذج جديد من السيطرة المسلحة تُدار فيه الأرض من خارج الحدود؟
الإجابة ستتضح في الأسابيع القادمة، حيث ستُختبر قدرة الشرعية على العودة، وقدرة الميليشيات على التمدد، ومدى استعداد الإقليم لوقف لعبة النفوذ التي تشق اليمن إلى مسارات متضادة.
اقرأ أيضًا : مايكروسوفت في مرمى الاتهام.. شكوى أوروبية تتهم الشركة بالتستّر على جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين