بقلم: محمود إبراهيم

تشهد حركة الطيران المرتبطة بالإمارات نحو القرن الإفريقي تصاعدًا لافتًا يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الرحلات وأهدافها. فخلال الساعات الماضية فقط، رُصدت عدة طائرات شحن عسكرية الطابع من طراز IL-76TD تقلع من قاعدة الريف الجوية في أبوظبي، متجهة إلى وجهات غامضة في إفريقيا، يُرجّح أن تكون قاعدة هرر ميدا الجوية في إثيوبيا أو أنجمينا في تشاد. 

هذا النمط المتكرر يعيد إلى الواجهة اتهامات قديمة وحديثة للإمارات باستخدام الجسر الجوي لدعم شبكات مرتزقة ونقل عتاد عسكري في مناطق نزاع، بعيدًا عن الأضواء والرقابة الدولية.

تفاصيل الرحلات: إشارات لا يمكن تجاهلها
اليوم، نفذت طائرة الشحن IL-76TD التابعة لشركة Zebu Air (التسجيل 7Q-ASU) رحلة مباشرة من قاعدة الريف في أبوظبي إلى هرر ميدا في إثيوبيا، وهي قاعدة عسكرية معروفة بدورها اللوجستي في عمليات الجيش الإثيوبي. بالتوازي، أقلعت طائرة أخرى من الطراز نفسه تابعة لشركة Fly Sky Airlines (التسجيل EX-76017) من القاعدة ذاتها متجهة إلى “وجهة غير معلنة” في إفريقيا، مع ترجيحات قوية بوصولها إلى هرر ميدا أو إلى أنجمينا، إحدى النقاط اللوجستية الحساسة في الساحل الإفريقي.

ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد؛ إذ غادرت طائرة Rubystar (التسجيل EW-383TH) أبوظبي، قبل أن يختفي بث تتبعها الجوي أثناء اقترابها من أجواء صوماليلاند على ارتفاع 32 ألف قدم، في سلوك شائع لدى الرحلات التي تسعى لتجنّب التتبع، ما يعزز فرضية استمرارها نحو العمق الإثيوبي.

قاعدة هرر ميدا: عقدة عسكرية حساسة
تُعد قاعدة هرر ميدا إحدى أهم القواعد الجوية الإثيوبية، وتقع بالقرب من أديس أبابا، وتُستخدم لتجميع ونقل القوات والمعدات. خلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسم القاعدة بتقارير عن استقبال شحنات عسكرية ودعم لوجستي في سياق الحرب في إقليم تيغراي، وكذلك في ترتيبات أمنية إقليمية معقدة. توجّه هذا الكم من الرحلات الإماراتية المرتبطة بطائرات شحن ثقيلة إلى هذه القاعدة يطرح سؤالًا مباشرًا: ما طبيعة الشحنات؟ ولماذا هذا الإصرار على الغموض؟

نمط إماراتي مكرّر: من ليبيا إلى السودان
لا تأتي هذه التطورات بمعزل عن سجل إماراتي طويل في توظيف شركات طيران “مدنية” كواجهة لنقل العتاد والمرتزقة إلى ساحات نزاع. من ليبيا إلى اليمن، ثم السودان، كشفت تحقيقات دولية وصحفية عن جسور جوية إماراتية استخدمت طائرات الشحن الثقيلة نفسها، وبالشركات ذاتها أو شركات واجهة قريبة منها، لدعم مليشيات ومرتزقة خارج الأطر القانونية الدولية. اليوم، يبدو أن إثيوبيا تنضم إلى هذه السلسلة، مع فارق أن الغطاء هذه المرة أكثر تعقيدًا، مستفيدًا من تشابك المصالح الإقليمية وتراجع الاهتمام الدولي.

المرتزقة والعتاد: ما الذي يُنقل؟
رغم غياب بيانات رسمية حول محتوى الشحنات، فإن طبيعة الطائرات المستخدمة—IL-76TD—المعروفة بقدرتها على نقل مدرعات خفيفة، ذخائر، وطائرات مسيّرة، تشير إلى شحنات ذات طابع عسكري. كما أن اختفاء إشارات التتبع فوق مناطق محددة يعكس محاولة متعمّدة لإخفاء المسار الحقيقي، وهو سلوك ارتبط سابقًا بعمليات نقل مرتزقة من جنسيات متعددة، خاصة من إفريقيا وشرق أوروبا، للعمل في نزاعات بالوكالة.

تداعيات إقليمية خطيرة
استمرار هذه التحركات يهدد بإشعال مزيد من التوتر في القرن الإفريقي، منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وصراعات متداخلة. دعم المرتزقة أو تغذية النزاعات بالسلاح لا يعني فقط إطالة أمد الحروب، بل يفتح الباب أمام موجات نزوح جديدة، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ويقوّض أي مسار للاستقرار.

خاتمة: أسئلة بلا إجابات
في ظل هذا التصاعد، تبقى الأسئلة معلّقة: لماذا تتكثف الرحلات الإماراتية إلى إثيوبيا الآن؟ ولماذا تُدار بهذا القدر من السرية؟ الأكيد أن ما يجري ليس نشاطًا تجاريًا عاديًا، بل تحركات مريبة تستدعي تحقيقًا دوليًا شفافًا. فترك الأجواء مفتوحة أمام جسور جوية غامضة يعني منح الضوء الأخضر لمزيد من الفوضى، فيما تتحمل الإمارات مسؤولية مباشرة عن تبعات سياساتها القائمة على تصدير الصراع ودعم المرتزقة خلف ستار “الشحن الجوي”.

اقرأ أيضًا : داخلية غزة: اغتيال ضابط أمني برصاص عصابات مدعومة إماراتيًا خدمة للاحتلال