في تصعيد سياسي مدروس، وجّهت حركة المقاومة الإسلامية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى الوسطاء الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، محذّرة من أن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة باتت تضع الاتفاق على حافة الانهيار. 

وكشفت شبكة الجزيرة، نقلًا عن مصادر مطّلعة، أن الحركة حمّلت الوسطاء مسؤولية التقاعس عن إلزام الاحتلال بتنفيذ بنود الاتفاق، في وقت تتصاعد فيه عمليات الاغتيال والقصف تحت ذرائع «الكاذبة».

خروقات ميدانية تضرب جوهر الاتفاق

التحذير لم يأتِ في فراغ. فالغارات الإسرائيلية الأخيرة استهدفت خيام نازحين ومنازل ومدرسة إيواء، ما أسفر عن استشهاد 13 فلسطينيًا بينهم طفلان شقيقان، وفق بيانات الدفاع المدني. وتؤكد وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن حصيلة ضحايا الإبادة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغت 71,409 شهداء و171,304 مصابين، مع استقبال المستشفيات خلال 24 ساعة فقط 14 شهيدًا و17 مصابًا. هذه الأرقام، إلى جانب استمرار القصف، تُظهر—وفق مراقبين—أن وقف إطلاق النار تحوّل إلى «هدنة هشّة» تُنتهك عمليًا كل يوم.

اتفاق مُعلّق وإرادة غائبة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكنه ظلّ رهينة حسابات سياسية إسرائيلية. فقد نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر أمنية أن القيادة السياسية الإسرائيلية لم تصدر أوامر بالاستعداد للانسحاب من مواقع في غزة أو بدء المرحلة الثانية، وأن قادة الجيش يشترطون إعادة جثمان آخر أسير إسرائيلي قبل الانتقال إلى هذه المرحلة. هذا الربط بين الالتزامات الإنسانية والسياسية من جهة، وملف الأسرى من جهة أخرى، يفرغ الاتفاق من مضمونه، ويمنح الاحتلال ذريعة لتأجيل الاستحقاقات.

حصار مستمر ومعابر مغلقة

تؤكد حماس أن الاحتلال لا يكتفي بالقصف، بل يواصل إحكام الحصار وإغلاق المعابر، ولا سيما معبر رفح، بما يفاقم الأزمة الإنسانية ويعرقل دخول المساعدات. وترى الحركة أن استمرار إغلاق المعابر خرق جوهري لبنود الاتفاق، وأن الصمت الدولي والوساطي يشجّع على تحويل الخرق إلى سياسة دائمة.

ترتيبات ما بعد الحرب… مبادرة فلسطينية مُعطّلة

في موازاة التحذير، شددت حماس على استعدادها للدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، خاصة ما يتصل بترتيب الأوضاع وبدء الإعمار، وأكدت—على لسان متحدثها—التزامها بتسهيل تشكيل «لجنة المستقلين» لإدارة قطاع غزة، وأنها لن تكون طرفًا في الترتيبات الإدارية. هذا الموقف، الذي حظي بموافقة الفصائل الفلسطينية، يُفترض أن يبدد الذرائع الدولية حول «فراغ إداري» بعد الحرب، غير أن تعطيل المرحلة الثانية يبقي هذه المبادرة حبيسة التصريحات.

الوسطاء بين الضمان والمسؤولية

تطالب حماس الوسطاء والدول الضامنة بالتحرك الجاد لإلزام الاحتلال بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى، والدخول العملي في ترتيبات المرحلة الثانية. غير أن أداء الوسطاء—وفق تقدير الحركة—لم يرتقِ إلى مستوى «الضمان»، بل اكتفى بإدارة الأزمة بدل حلّها. ويذهب محللون إلى أن غياب أدوات ضغط حقيقية، أو عدم استخدامها، جعل الوساطة أقرب إلى «إطفاء حرائق مؤقت» بينما تستمر الانتهاكات على الأرض.

إجماع عربي مُهمَل

في مارس/آذار 2024، شدد البيان الختامي لـ**القمة العربية الطارئة بشأن فلسطين** على رفض تهجير الفلسطينيين واعتماد الخطة المصرية لإعمار غزة باعتبارها «خطة عربية جامعة». غير أن هذا الإجماع لم يترجم إلى آليات إلزامية تحمي الاتفاق أو تسرّع الإعمار، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الفجوة بين الموقف السياسي والتنفيذ العملي.

الخلاصة: إنذار أخير

رسالة حماس ليست مجرّد احتجاج؛ إنها إنذار أخير بأن استمرار التخاذل الوساطي، في ظل إجرام الاحتلال، سيقود إلى نسف الاتفاق. فإما أن تُستعاد هيبة الضمانات عبر ضغط فعّال يوقف الخروقات ويطلق المرحلة الثانية، وإما أن يبقى وقف إطلاق النار عنوانًا بلا مضمون، تُدار تحته حرب بوسائل أخرى، ويُترك المدنيون وحدهم يدفعون الثمن.

اقرأ أيضًا : المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يعلن حلّ نفسه وكافة هيئاته