عقب زيارة وفد مصري وُصف في الإعلام العبري بأنه “مهني منخفض المستوى”، بعثت حكومة بنيامين نتنياهو رسالة جماعية إلى عائلات الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة، تؤكد فيها أنه “لا توجد مفاوضات فعلية” وأن ما يجري لا يتعدى محاولات تنسيق أولية لبحث سبل إطلاق سراح الأسرى.
هذه الرسالة، التي جاءت بعد لقاءات جرت في تل أبيب مساء الاثنين، تحمل دلالات عميقة على طبيعة المرحلة التي تمر بها المفاوضات، إذ تكشف أن الاحتلال ما زال بعيداً عن الدخول في عملية تفاوضية حقيقية، مفضلاً استخدام لغة المناورة والمراوغة لامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية.
الوفد المصري الذي حضر إلى إسرائيل، ورغم ما يحمله من وزن باعتبار القاهرة أحد أبرز الوسطاء التقليديين بين الاحتلال وحركة حماس، إلا أن الإعلام العبري قلّل من شأنه ووصفه بـ”المهني منخفض المستوى”.
هذه الصيغة لم تأت عبثاً، بل تعكس محاولة إسرائيلية لإرسال رسائل مزدوجة: الأولى للداخل الإسرائيلي بأنها ليست مستعدة لتقديم تنازلات، والثانية للوسطاء الإقليميين والدوليين بأن ملف الأسرى سيبقى ورقة تفاوضية بيد نتنياهو وحكومته حتى إشعار آخر.

خلف الكواليس: البحث عن بدائل تفاوضية خارج قطر ومصر
المفارقة أن هذه التطورات تزامنت مع تسريبات إعلامية عبرية تحدثت عن بحث جدي في أوساط الاحتلال لنقل المفاوضات مع حماس إلى دول جديدة، بينها الإمارات أو إحدى العواصم الأوروبية. ووفق القناة 12 الإسرائيلية، فإن وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر زار أبوظبي مؤخراً وأجرى محادثات مع مسؤولين إماراتيين في هذا الإطار.
هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة داخل حكومة نتنياهو بأن الوساطتين القطرية والمصرية لم تعدا قادرتين على تحقيق اختراق ملموس، سواء بسبب ضعف أدوات الضغط أو نتيجة التوترات السياسية مع تل أبيب. لكن في الوقت ذاته، فإن نقل المفاوضات إلى الإمارات أو عاصمة أوروبية لا يخلو من حسابات سياسية دقيقة، فالإمارات مثلاً ترتبط بعلاقات أمنية واقتصادية واسعة مع إسرائيل، وقد تُستغل كورقة ضغط على حماس عبر قنوات مالية أو سياسية.
غير أن هذا الخيار قد يواجه عقبات جدية، إذ تدرك المقاومة أن أي نقل للمحادثات إلى ساحة أقل حيادية سيجعلها الطرف الأضعف، وبالتالي قد ترفض الانخراط في مسار تفاوضي جديد لا يضمن الحد الأدنى من شروطها، وهو ما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
نتنياهو بين ضغط العائلات ورؤية الجيش
تزامناً مع هذه الرسائل، كشفت تقارير عبرية أن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بعث برسالة إلى نتنياهو يطالبه فيها بقبول الصفقة المطروحة حالياً على الطاولة، مؤكداً أن “الجيش هيأ شروط الصفقة، وهي الآن بين يدي رئيس الحكومة”. هذه الرسالة تعكس وجود فجوة واضحة بين المؤسسة العسكرية التي ترى أن استعادة الأسرى ضرورة عاجلة لرفع معنويات الجنود وعائلاتهم، وبين الحسابات السياسية الضيقة لنتنياهو الذي يخشى أن أي صفقة قد تُضعفه أمام اليمين المتطرف داخل حكومته.
عائلات الأسرى من جانبها تلقت الرسالة الحكومية الأخيرة بقلق متزايد، فهي تكشف أن الطريق لا يزال مسدوداً وأن حكومة نتنياهو تراهن على الوقت والميدان أكثر من رهانه على التوصل إلى اتفاق. هذه العائلات التي تنظم مظاهرات شبه أسبوعية باتت ترى أن أبناءها يستخدمون كورقة مساومة سياسية في لعبة أكبر تتعلق بمستقبل الحرب على غزة.
احتلال غزة كعامل ضغط تفاوضي
اللافت أن المسؤولين الإسرائيليين الذين تحدثوا للقناة 12 أصروا على أن “الاتفاقات المقبلة مع حماس ستقتصر على الإفراج عن جميع الأسرى وإنهاء الحرب وفق شروط إسرائيل”، وأضافوا أن “عملية احتلال غزة ستبدأ بعد استنفاد إجراءات الإخلاء، ولن تكون مرتبطة بالمفاوضات”. هذه الصياغة تكشف عن استراتيجية إسرائيلية مزدوجة: من جهة تواصل الحرب وتصعيدها، ومن جهة أخرى تستخدم هذا التصعيد كوسيلة لفرض إيقاع تفاوضي سريع على حماس.
لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، إذ أن استمرار العدوان قد يفاقم تعقيدات الصفقة، ويجعل حماس أكثر تمسكاً بمطالبها، خاصة أن المقاومة ترى أن عامل الزمن يعمل لصالحها في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إسرائيل بسبب المجازر في غزة.
القاهرة بين الضغط والتواطؤ
من الزاوية المصرية، تبدو القاهرة في موقف بالغ الحساسية. فهي من جهة لا تستطيع التخلي عن ملف غزة باعتباره جزءاً من أمنها القومي، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً إسرائيلية وأمريكية هائلة لدفع حماس إلى التنازل. اللافت أن بعض المحللين الإسرائيليين ألمحوا إلى أن نظام عبد الفتاح السيسي يُظهر مرونة مبالغاً فيها مع نتنياهو، تصل حد “التواطؤ”، إذ يكتفي بإرسال وفود منخفضة المستوى أو بتمرير رسائل إسرائيلية للعائلات الفلسطينية دون ممارسة ضغط جاد على تل أبيب.
هذا الموقف المصري قد يضع القاهرة في حرج إقليمي كبير، خاصة إذا مضت إسرائيل فعلاً نحو نقل المفاوضات إلى الإمارات أو عاصمة أوروبية، ما يعني تراجع الدور المصري التقليدي في الملف الفلسطيني لحساب لاعبين جدد أكثر قرباً من تل أبيب.
خاتمة: أزمة مفتوحة على احتمالات معقدة
خلاصة المشهد أن رسالة نتنياهو الأخيرة لعائلات الأسرى ليست سوى انعكاس لحالة المراوحة والتضارب داخل المنظومة الإسرائيلية: جيش يريد الصفقة، حكومة تناور، عائلات غاضبة، ووسطاء إقليميون عاجزون. في المقابل، تبقى حماس متمسكة بموقفها الرافض لربط أي صفقة بوقف الحرب وفق الشروط الإسرائيلية.
المعادلة إذاً مفتوحة على احتمالات عدة: إما أن يخضع نتنياهو لضغط الجيش والعائلات ويقبل بصفقة على حساب مكانته السياسية، أو يواصل المراوغة ونقل المفاوضات إلى ساحات جديدة بما يطيل أمد الحرب والأسر معاً. وفي كلا الحالين، فإن زيارة الوفد المصري ورسالة نتنياهو تعكسان أن الأزمة لم تدخل بعد طور الحل، بل ما زالت عالقة في دائرة المساومات السياسية، حيث يدفع الأسرى وعائلاتهم الثمن الأكبر.
اقرأ أيضًا : صور الأقمار تكشف خطة نتنياهو لاحتلال غزة