في مشهد يعكس تصعيد الاحتلال الإسرائيلي حربه المفتوحة على الحقيقة، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى إجراء تحقيق مستقل ونزيه بشأن جريمة اغتيال ستة صحفيين في مدينة غزة، قُتلوا الأحد في قصف مباشر استهدف خيمتهم قرب مستشفى الشفاء غرب المدينة.
المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أكد في مؤتمر صحفي بمقر المنظمة في جنيف، أنّ الأمين العام يرى أن ما جرى يمثل دليلاً جديداً على المخاطر الجسيمة التي يواجهها الصحفيون في تغطية الحرب المستمرة منذ أكثر من 22 شهراً. وشدد دوجاريك على أن “الصحفيين العاملين مع قناة الجزيرة في غزة، وقعوا مرة أخرى ضحايا لهذا الصراع”، في إشارة إلى أربعة من القتلى الذين يعملون مع القناة القطرية.
القصف الذي طال الصحفيين الستة – أنس الشريف، محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، محمد نوفل، ومحمد الخالدي – لم يكن مجرد “حادث عرضي”، بل استهداف مباشر لمجموعة إعلامية تعمل على نقل الصورة من قلب المأساة، ما يجعل الجريمة جزءاً من سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات الحرة وتغييب الشهود على جرائم الاحتلال.
![]()
سجل دموي ضد الصحفيين
مع هذه المجزرة، يرتفع عدد الصحفيين الذين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 238 صحفياً، وفق إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. هذه الأرقام المرعبة تكشف أن الاحتلال لا يكتفي بإسقاط القنابل على الأحياء والمستشفيات، بل يسعى كذلك إلى تحطيم العدسة والقلم، في محاولة لطمس معالم الإبادة الجماعية المستمرة.
وليس جديداً أن تكون قناة الجزيرة في مرمى نيران الاحتلال، إذ سبق أن اغتال جيشه خمسة من صحفييها، هم: سامر أبودقة، حمزة الدحدوح، إسماعيل الغول، أحمد اللوح، وحسام شبات، إلى جانب أفراد من عائلاتهم. هذه الاستهدافات المتكررة تعكس عداءً مباشراً لكل وسيلة إعلامية تكسر الرواية الإسرائيلية وتنقل للعالم مشاهد القتل والحصار والتجويع.
جرائم الاحتلال ضد الإعلام ليست حدثاً معزولاً، بل امتداد لسجل طويل من استهداف المراسلين والمصورين، سواء عبر القصف المباشر أو عبر الحرمان من الحماية الإنسانية التي تضمنها القوانين الدولية، خاصة اتفاقيات جنيف التي تعتبر الصحفيين المدنيين محميين أثناء النزاعات المسلحة.
إجرام بلا حدود في غزة
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، يمارس الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية ضد سكان غزة بدعم سياسي وعسكري من الولايات المتحدة، متجاهلاً النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العمليات العسكرية. الإبادة لم تقتصر على القتل المباشر بالقصف، بل شملت أيضاً سياسات ممنهجة للتجويع والتدمير والتهجير القسري، حتى باتت غزة مثالاً حيّاً لـ”عقاب جماعي” على مرأى العالم.
الأرقام وحدها تكفي لتوصيف حجم الكارثة: 61,499 شهيداً، و153,575 جريحاً، وأكثر من 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، فضلاً عن مئات آلاف النازحين الذين يفترشون الشوارع أو يعيشون في ظروف إنسانية كارثية. ومع تفاقم الحصار، باتت المجاعة تحصد أرواح كثيرين، بينهم عشرات الأطفال الذين ماتوا جوعاً أو بسبب نقص الدواء.
استهداف الصحفيين يأتي في هذا السياق كجزء من استراتيجية الاحتلال لإخفاء معالم جرائمه، إذ يدرك أن الكاميرا التي توثق المجاعة أو الجثث تحت الركام تمثل تهديداً أكبر من أي بيان سياسي. ولعلّ قصف خيمة الصحفيين قرب مستشفى الشفاء، أحد أكبر المراكز الطبية التي تعرضت للهدم والتجويع، رسالة واضحة: لا شهود، لا حقيقة، لا محاسبة.
ردود دولية خجولة
رغم فداحة الجريمة، فإن ردود الفعل الدولية لا تزال في إطار الإدانة اللفظية والدعوات لتحقيقات “مستقلة” نادراً ما ترى النور. دعوة غوتيريش للتحقيق خطوة مهمة من الناحية الرمزية، لكنها تظل دون المستوى المطلوب لردع الاحتلال، خاصة في ظل سجل طويل من الإفلات من العقاب.
المنظمات الحقوقية الدولية طالبت مراراً بتفعيل آليات المساءلة، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو لجان تحقيق أممية، لكن العقبات السياسية – وفي مقدمتها الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن – جعلت هذه المطالب مجرد أوراق ضغط محدودة الأثر. النتيجة أن الاحتلال يواصل جرائمه وهو مطمئن إلى أن أقصى ما سيواجهه هو بيان استنكار أو تقرير حقوقي.
خاتمة: معركة الحقيقة لا تقل شراسة عن معركة البقاء
اغتيال الصحفيين الستة في غزة ليس مجرد مأساة مهنية أو إنسانية، بل جريمة حرب مكتملة الأركان، تعكس تصميم الاحتلال على السيطرة على الرواية ومنع وصول الحقائق إلى الرأي العام العالمي. في زمن الحروب الحديثة، حيث الصورة والمعلومة سلاح لا يقل قوة عن الرصاص، يصبح الصحفيون في الخط الأمامي لمعركة الحقيقة.
لكن هذه الجريمة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل سيظل قتل الصحفيين في غزة جريمة بلا عقاب، أم أن المجتمع الدولي سيتجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات عملية؟ حتى ذلك الحين، سيبقى كل صحفي يدخل غزة يعلم أنه قد يدفع حياته ثمناً لحق العالم في المعرفة، في مواجهة آلة قتل لا تفرّق بين طفل يحمل رغيف خبز، أو صحفي يحمل كاميرا.
اقرأ أيضًا : تحذير أمريكي لرعاياها في الإمارات من الاقتراب من أماكن الإسرائيليين.. لماذا؟