في تقرير تحليلي صادم، كشفت صحيفة الكونفيدينسيال الإسبانية عن تصاعد غير مسبوق في تنفيذ أحكام الإعدام داخل المملكة العربية السعودية، حيث بلغ عدد من تم إعدامهم خلال عام 2024 نحو 345 شخصًا، في أعلى حصيلة تسجلها البلاد في تاريخها الحديث.

التقرير يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة عن واقع العدالة في المملكة، ويُظهر كيف تحوّلت هذه العقوبة إلى أداة قمع سياسي واجتماعي في يد ولي العهد محمد بن سلمان، رغم صور التحديث والانفتاح التي يسعى لتصديرها إلى الخارج.

الإعدام كسياسة ممنهجة: تصفية صامتة للفئات المهمشة

رغم وعود محمد بن سلمان المتكررة منذ 2018 بتقليص أحكام الإعدام، فإن الأرقام الرسمية – فضلًا عن ما يُنفذ منها في الخفاء – تشير إلى عكس ذلك تمامًا. 

وتُظهر بيانات منظمة القسط لحقوق الإنسان أن نسبة كبيرة من الذين نُفذت بحقهم أحكام الإعدام هم من النساء والأجانب، ما يعكس سياسة انتقائية تعمد إلى استهداف الفئات الأضعف في المجتمع، سواء من حيث العرق أو الوضع الاقتصادي أو غياب الدعم الدبلوماسي.

بحسب لينا الهذلول، رئيسة قسم الرصد والمناصرة في المنظمة، فإن “70% من النساء اللواتي أُعدمن كنّ أجنبيات”، وغالبيتهن لا ينتمين إلى دول تتمتع بقوة سياسية أو نفوذ دولي. 

هذا النمط يفضح حالة من التمييز العرقي والاقتصادي الصريح، ويكشف أن النظام القضائي السعودي لا يهدف إلى تطبيق العدالة بقدر ما يهدف إلى فرض الهيبة السلطوية عبر أدوات الإخضاع العنيفة.

الأمر لا يتوقف عند الأرقام؛ فشهادات ذوي الضحايا تؤكد أن الإعدامات تتم غالبًا في ظل غياب الضمانات القانونية الأساسية، مع منع العائلات من الاطلاع على ملفات القضايا، أو حتى تسلّم جثامين أبنائهم بعد تنفيذ الأحكام. 

هذه السياسات تغلق الباب أمام أي فرصة للمساءلة أو الحداد أو حتى الاحتجاج السلمي، وتجعل من الإعدام وسيلة لـ”المحو التام” لأي أثر للضحية.

ازدواجية الخطاب: رؤية 2030.. واجهة براقة لنظام دموي

في الوقت الذي تنظم فيه السعودية مهرجانات موسيقية ضخمة وتستضيف فعاليات أممية، وتقدّم نفسها كقوة إصلاحية منفتحة على الغرب، تتصاعد داخل حدودها حملات الاعتقال والإعدام، وتخنق الحريات تحت ذريعة حماية الأمن أو الشريعة.

ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يروّج لمشروع “رؤية 2030″، يحاول تقديم نفسه كإصلاحي عصري، لكنه – كما يقول المحامي السعودي المنفي “فهد” – “ينفذ الإعدامات في الخفاء، ويعتمد على تفسير انتقائي للدين يتناسب مع أدوات القمع، لا مع روح الشريعة”. 

فبحسب القانون الدولي، فإن الإعدام يجب أن يُطبق فقط على الجرائم “الأشد خطورة”، ومع ذلك، فإن معظم أحكام الإعدام في 2024 صدرت في قضايا تتعلق بالمخدرات، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا لمبادئ العدالة الدولية.

حتى على مستوى الداخل السعودي، لم يعد المواطن يشعر بالأمان. الدبلوماسي “ك. ف” يصف حالة الخوف الجماعي بقوله: “نحن لا نتحدث، لا ننظر، لا نحتج، والأهم أننا لا نُثير المتاعب. 

هكذا نشأنا منذ الطفولة: نخاف من الآخر، حتى من أقاربنا”. هذه الشهادة تعكس كيف أصبح الخوف هو العمود الفقري في آلة الحكم السعودية، حيث يُنظر إلى كل رأي مستقل باعتباره تهديدًا وجوديًا.

انتهاكات بلا محاسبة.. والمجتمع الدولي يشيح بنظره

رغم تقارير منظمات حقوق الإنسان المستمرة، لا تزال السعودية تحظى بصمت دولي شبه تام، وهو ما يعطي النظام ضوءًا أخضر للاستمرار في سياساته القمعية. 

تقول الهذلول: “إذا كانت السعودية تفتح أبوابها للسياح وتستضيف فعاليات دولية، فلماذا ترفض دخول مراقبين حقوقيين؟”. 

هذا التناقض يبرز بوضوح أن رؤية الانفتاح السعودي هي أداة تجميل لوجه دولة بوليسية، وليست تحولًا حقيقيًا نحو الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان.

وفي واحدة من الشهادات المؤلمة، تحدثت “سارة حسن”، والدة شاب مصري أُعدم في 2024، عن حرمانها من أي فرصة للدفاع عن ابنها، قائلة: “لم نستطع الاعتراض، ولم يُستمع إلينا. 

نعيش حزننا في صمت، محكومين بالحداد الأبدي”. كلماتها تختزل ما تعيشه عشرات العائلات الأخرى في صمت يشبه المقابر.

الأدهى أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على القتل وحده، بل شملت منع تسليم الجثامين، التكتّم على تواريخ الإعدام، وحرمان العائلات من التعبير عن الألم علنًا. 

إنه نهج واضح يسعى لتفتيت أي مقاومة مجتمعية، ويجعل من الحزن تجربة فردية صامتة، بدلًا من أن تكون صرخة سياسية.

دولة الإعدامات في ثوب الترفيه

ما ترسمه صحيفة الكونفيدينسيال الإسبانية ليس مجرد تقرير عن عدد الإعدامات في السعودية، بل هو تشريح دقيق لدولة تحوّلت فيها العدالة إلى سلعة، والخوف إلى عقيدة وطنية. فبينما تسعى المملكة لتسويق “مكة جديدة” للترفيه والانفتاح، فإنها في الواقع تبني مقابر صامتة للفقراء والمهمشين والمعارضين، على أنغام موسيقى البوب وأضواء النيون.

إن استمرار هذا الواقع يستدعي موقفًا دوليًا أكثر حزمًا، ليس فقط من منظمات حقوق الإنسان، بل من الحكومات التي تروّج للشراكة مع الرياض. 

فكما قالت الهذلول: “الدولة لا تطيق وجود أيديولوجيا بديلة”، وما لم يتحرك العالم لكسر هذا الاحتكار، فإن الإعدامات ستبقى أداة حكم، لا وسيلة عدالة.

اقرأ أيضًا : “ارفعوا أيديكم”.. صرخة عالمية ضد طغيان ترامب وتواطؤ ماسك ونصرة لفلسطين