في تصعيد جديد للصراع الإقليمي المتشابك منذ انطلاق العدوان الإسرائيلي على غزة، أعلنت جماعة “أنصار الله” الحوثية اليمنية إطلاق صاروخ باليستي باتجاه الأراضي المحتلة، مؤكدة استمرار عملياتها العسكرية ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي دعماً للمقاومة الفلسطينية.
ورغم إعلان جيش الاحتلال عن اعتراض الصاروخ، فإن الحادثة تعكس مجدداً فشل سياسة الردع التي تبنتها تل أبيب بقصفها المستمر للأراضي اليمنية، في وقت يصم فيه العالم العربي آذانه عن مجازر غزة ويتراجع فيه حكامه عن أي دور مشرف.

العدوان الإسرائيلي على اليمن.. محاولة يائسة لكبح الحوثيين
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، برزت جماعة الحوثي كطرف إقليمي مؤثر يسعى لتحويل الدعم السياسي إلى دعم ميداني مباشر، إذ أعلنت منذ الأسابيع الأولى أنها ستستهدف السفن الإسرائيلية، وكل من يساهم في دعم الكيان المحتل.
وعلى الرغم من بعد المسافة الجغرافية، لم تتردد الجماعة في توجيه عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو أهداف إسرائيلية، كان أبرزها استهداف مدينة إيلات مرارًا، إلى جانب محاولات لشل حركة الملاحة المتجهة إلى موانئ الاحتلال.
في المقابل، لجأت “إسرائيل” إلى سياسة الضربات الاستباقية لقواعد الحوثيين داخل اليمن، كان آخرها قصف استهدف مطار صنعاء في السادس من مايو/أيار، تلاه هجوم على ميناءي الحديدة والصليف المطلين على البحر الأحمر.
إلا أن تلك الضربات لم تنجح في وقف الهجمات الحوثية أو تقويض قدراتهم الصاروخية، بل زادت من زخم عملياتهم وردودهم الانتقامية، وآخرها الصاروخ الباليستي الذي أُطلق فجر الخميس، وتسبب في إطلاق صفارات الإنذار وسط الكيان المحتل.
الحوثيون.. المقاتل الوحيد في زمن الخذلان العربي
في وقتٍ تغرق فيه العواصم العربية بالتطبيع والصمت، تواصل جماعة الحوثي موقفها الثابت بدعم القضية الفلسطينية عسكريًا، في صورة نادرة لموقف عربي يتجاوز الإدانات الشكلية.
ورغم إدراجها سابقًا في قوائم الإرهاب الدولية، باتت الجماعة اليوم تحظى بتقدير في أوساط شعبية عربية كثيرة، كونها أحد الأطراف القليلة التي تبنت خيار المقاومة الفعلية والرد العسكري على الجرائم الإسرائيلية.
الهجمات الحوثية على “إسرائيل” ليست فقط دعماً رمزياً، بل تحمل رسائل استراتيجية عن تغير قواعد الاشتباك في الإقليم، وأن المعركة على غزة لم تعد محصورة بالحدود الجغرافية لفلسطين.
فبينما يستمر القصف اليومي على رفح، وتُدفن العائلات تحت الأنقاض، لا تخرج من بعض العواصم العربية سوى بيانات “قلق”، فيما تفتح موانئ الخليج ذراعيها للتبادل التجاري مع دولة الاحتلال.
في المقابل، تقول جماعة الحوثي إنها ماضية في استهداف الكيان الإسرائيلي إلى أن يتوقف عدوانه على غزة وترفع الحصار المفروض على القطاع، مشددة في بيان رسمي أن “المعركة مع العدو الصهيوني ليست موسمية، بل معركة وجود وانتماء، وأن الدفاع عن الشعب الفلسطيني واجب ديني وأخلاقي لا يقبل التراجع”.
من صنعاء إلى غزة.. خط مقاومة يتجاهله النظام العربي الرسمي
الضربة الحوثية الأخيرة التي أقلقت تل أبيب فجر الخميس، لم تكن مجرد تطور عسكري، بل كانت تذكيراً صارخًا لحكام المنطقة بأن حسابات الخوف والتبعية لا يمكن أن توقف الشعوب.
فبينما تشارك بعض الأنظمة العربية في مؤتمرات التطبيع، وتستقبل مسؤولين إسرائيليين بالأحضان، يقف اليمن المحاصر والفقر المدقع شامخاً، يصنع صواريخه بموارد محدودة، ويعلن انحيازه لغزة دون شروط.
هذا التباين بين المواقف الرسمية والشعبية في العالم العربي، بات كاشفاً لعمق الانفصال بين الشعوب وحكامها.
فالحراك الشعبي المناصر لغزة في الأردن والمغرب ومصر ولبنان، يتناقض جذرياً مع صمت الحكومات أو ارتهانها لإملاءات دولية تمنع أي تحرك فاعل. وبينما تُقصف غزة ليل نهار، يُستقبل المسؤولون الإسرائيليون في أبوظبي والمنامة، وتُمنحهم منصات في الإعلام الرسمي كـ”شركاء سلام”.
لكن في المقابل، تثبت جماعة الحوثي أن للموقف المقاوم مكاناً رغم الضغوط والحصار، وأن السلاح لا يحتاج إلى جيوش جرارة أو تحالفات ضخمة، بل إلى قرار سياسي حر وإرادة لا تُشترى. فصاروخ واحد قادم من جبال صنعاء، بات كفيلاً بأن يربك منظومة الدفاع الإسرائيلية، ويحرج عشرات العواصم التي تخلت عن مبادئها.
الحوثيون يعيدون تعريف المعركة.. والعرب إلى أين؟
تأتي الضربة الحوثية الأخيرة كحلقة جديدة في مسلسل “الخذلان الرسمي والمقاومة الشعبية”، حيث يواصل بعض القادة العرب تسويق الرواية الإسرائيلية للغرب، في حين يثبت فصيل يمني محاصر أنّ البوصلة لا تزال تشير إلى فلسطين.
فالمعركة لم تعد مجرد قضية حدود أو جغرافيا، بل أصبحت قضية كرامة واصطفاف تاريخي.
وفي ظل الصمت العربي، يطرح مشهد الحوثيين وهم يقصفون الأراضي المحتلة سؤالاً كبيراً: من يقف مع فلسطين حقاً؟ ومن يصمت طواعية عن مذابح غزة؟ لقد باتت الإجابة واضحة، لا تحتاج إلى شعارات ولا بيانات، بل تُكتب بصوت صفارات الإنذار في تل أبيب، حين تنطلق من صنعاء.
اقرأ أيضًا : مجزرة بجباليا وخسائر فادحة للاحتلال بكمائن المقاومة