شهدت بلدة جباليا شمال قطاع غزة مجزرة جديدة فجر اليوم الأربعاء، أوقعت ما لا يقل عن 12 شهيدًا، جراء قصف جوي شنّته طائرات الاحتلال الإسرائيلي على منزلين مأهولين بالسكان، ضمن سلسلة هجمات متواصلة منذ مساء الثلاثاء، استهدفت مناطق مختلفة من القطاع.
ومع تصاعد القصف واستمرار استهداف المنازل السكنية، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن حصيلة الشهداء ارتفعت إلى 98 منذ فجر الثلاثاء، في حين تواصل طواقم الإسعاف والدفاع المدني عمليات البحث عن مفقودين تحت الأنقاض، خاصة في منطقة دير البلح وسط القطاع.
في مدينة دير البلح، استشهد ستة فلسطينيين، بينهم ثلاثة أطفال، إثر غارات استهدفت منزلًا سكنيًا، بينما نُقل الجرحى إلى مستشفى شهداء الأقصى، في مشهد متكرر من المعاناة والدمار الذي لا يتوقف.
أما في خان يونس جنوب القطاع، فقد استشهد أربعة آخرون جراء استهداف منزل، فيما أُعلن عن سقوط شهيد إضافي وإصابة شخص في قصف على بلدة بني سهيلا شرق المدينة. وتزامن ذلك مع أكثر من 20 غارة جوية إسرائيلية استهدفت فجر اليوم أحياء شرق وجنوب خان يونس، في حين تواصل القصف المدفعي على رفح.
رغم هول المجازر، يبدو واضحًا أن الاحتلال يواصل تنفيذ سياساته في استهداف المدنيين بدم بارد، في محاولة لفرض معادلات ميدانية جديدة، رغم فشله في حسم المعركة عسكريًا.
ولا تنفصل هذه المجازر عن النهج الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023، الذي أسفر عن استشهاد أكثر من 34 ألف فلسطيني، وجرح نحو 96 ألفًا، ضمن ما وصفته مؤسسات حقوقية دولية بأنه إبادة جماعية ممنهجة بحق سكان غزة، أغلبيتهم من الأطفال والنساء.

كمائن المقاومة: معارك من نار وأفخاخ من حديد
في المقابل، أثبتت المقاومة الفلسطينية، وخصوصًا في شمال القطاع وجنوبه، قدرتها المتزايدة على تنفيذ عمليات نوعية أربكت الاحتلال وكبدته خسائر بشرية فادحة.
في مساء الثلاثاء، أعلنت سرايا القدس، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عن تنفيذ عملية دقيقة في منطقة خزاعة جنوب خان يونس، استهدفت خلالها دبابة “ميركافا” بقذيفة RPG، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها وسط تأكيدات بأن الجنود داخلها تعرضوا للإصابات.
كما كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن مقاومين فلسطينيين نفذوا “كمينًا معقدًا” استهدف مبنى كان يتحصن داخله جنود إسرائيليون، وأدى لانهياره بالكامل فوقهم.
ورغم الرقابة المشددة التي فرضتها القيادة العسكرية الإسرائيلية على تفاصيل الحادث، تسربت معلومات تؤكد مقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين بجراح خطيرة، ونُقلوا بمروحية عسكرية إلى المستشفيات.
وتُظهر تفاصيل العملية مدى حرفية التخطيط والتكتيك المقاوم، حيث أُشارت المنصات العبرية إلى أن البحث عن جثة أحد الجنود استمر لساعات بعد أن وُجدت لاحقًا في مبنى مجاور، ما يعزز احتمالات أن المقاومين حاولوا احتجاز جثته أو استدراجه نحو منطقة مفخخة.
ويعد هذا “الحدث الأمني الصعب”، كما وصفته وسائل الإعلام العبرية، الثاني خلال أقل من 24 ساعة، بعد حادثة مشابهة تسببت في إصابة ثلاثة جنود آخرين جراء انهيار مبنى عليهم، ما يعكس هشاشة التقدم الميداني الإسرائيلي، وفشل قوات الاحتلال في التعامل مع التضاريس المعقدة التي أعدتها المقاومة بعناية.
وأقر الجيش الإسرائيلي رسميًا بمقتل جندي برتبة رقيب أول من وحدة الكشف الهجومي التابعة للكتيبة 82، وهي من الوحدات المدرعة المتخصصة في العمليات البرية.
وتوالت اعترافات الإعلام العبري خلال الساعات الماضية بخطورة الكمائن التي تواجهها القوات في رفح وخان يونس وبيت حانون، ما يكشف حجم الورطة التي تعيشها إسرائيل في معركتها البرية بغزة.
صمود غزة: مقاومة لا تهزم.. وشعب لا يُكسر
رغم المجازر المتكررة والقصف المتواصل، تواصل غزة تقديم نموذج فريد في الصمود. فبعد أكثر من سبعة أشهر من العدوان، ما زالت المقاومة تقاتل على جبهات مفتوحة في الشمال والجنوب، مستنزفة قوات الاحتلال بأسلوب “حرب الأشباح”، عبر كمائن، ألغام، أنفاق، وقصف مباشر لمركبات مدرعة وجنود.
كما أن الشعب الفلسطيني في غزة، رغم الفقد والجراح والتدمير الممنهج للبنية التحتية، لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء.
فالعائلات التي فقدت بيوتها تنتقل من مخيم إلى آخر، والأمهات تنقذ أطفالهن من تحت الركام، والجرحى يعودون إلى ساحات المواجهة بعد الشفاء، فيما تستمر التظاهرات في الضفة الغربية، ومخيمات الشتات، والعواصم العالمية، دعمًا لغزة.
هذا الصمود ليس فقط عسكريًا، بل أخلاقيًا وسياسيًا، حيث نجح الفلسطينيون في فضح السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي. ومع تصاعد دعوات المقاطعة، وقرارات محكمة العدل الدولية، وتململ بعض الدول الغربية من دعم إسرائيل الأعمى، تتزايد عزلة تل أبيب، في حين تتعزز شرعية نضال الشعب الفلسطيني.
لقد أثبتت غزة مرة أخرى أن الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها لا تُهزم بسهولة، وأن “الكمائن الصعبة” التي تحدث عنها العدو، ليست سوى بداية لانقلاب الموازين، في معركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الوعي العالمي أيضًا.
إن مشاهد المجازر في جباليا، ودير البلح، وخان يونس، وما رافقها من عمليات مقاومة نوعية، تؤكد أن الاحتلال يواجه شعبًا لا يموت، بل يقاتل من قلب النار ليصنع فجرًا جديدًا. وإذا كانت طائرات F-35 تقتل الأطفال، فإن RPG المقاوم يعيد التوازن، ولو جزئيًا، في ميدان يرفض الاستسلام. فالمعركة لم تنته، والمقاومة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
اقرأ أيضًا : نتنياهو ومن وراءه الإمارات يسعيان لتصنيف قطر “داعمة للإرهاب”