في خضم الحرب المستعرة التي أنهكت السودان منذ أبريل/نيسان 2023، خرجت وزارة الخارجية السودانية ببيان جديد، السبت، رحّبت فيه بأي جهد إقليمي أو دولي يهدف إلى وقف الحرب، لكنها ربطت ذلك بوقف هجمات قوات الدعم السريع وتفكيكها ورفع الحصار الذي تفرضه على المدن السودانية، وعلى رأسها مدينة الفاشر بدارفور. ويأتي البيان بعد دعوة «المجموعة الرباعية» (مصر، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة) إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار.

 

ترحيب مشروط بالوساطات.. وتمسك بالسيادة الوطنية

أكدت الخارجية السودانية أن الحكومة «ترحّب بأي جهد إقليمي أو دولي يساعدها في إنهاء الحرب ووقف هجمات مليشيا الدعم السريع على المدن والبنية التحتية ورفع الحصار عن المدن وتفكيكها». لكنها شددت في الوقت نفسه على أن أي مبادرة يجب أن تحترم سيادة الدولة السودانية وشرعية مؤسساتها الوطنية، رافضةً «أي تدخلات دولية أو إقليمية لا تحترم السيادة السودانية».

هذا الموقف يعكس إدراك الحكومة لخطورة الانزلاق في فخ الضغوط الخارجية التي قد تفرض ترتيبات سياسية غير متوافق عليها شعبيًا، وهو ما وضح في البيان بقولها إن «تحقيق السلام في السودان مسؤولية حصرية لشعب السودان ومؤسسات الدولة القائمة، وأن الشعب السوداني هو الوحيد الذي يحدد كيف يُحكم من خلال التوافق الوطني الذي تسعى له حكومة الأمل بقيادة رئيس الوزراء الانتقالي كامل إدريس».

كما رفضت الحكومة صراحة أي محاولة للمساواة بينها وبين قوات الدعم السريع، ووصفت الأخيرة بأنها «مليشيا إرهابية عنصرية تستعين بمرتزقة أجانب لتدمير الهوية السودانية وطمسها».

اتهامات للإمارات بالتسبب في إطالة الحرب وتدمير السودان

رغم لهجة الترحيب الظاهري، حمل بيان الخارجية السودانية رسائل مبطّنة تجاه بعض الأطراف المنخرطة ضمن المجموعة الرباعية، وخصوصًا الإمارات التي تتعرض منذ شهور لاتهامات متكررة من الجيش السوداني ومن منظمات حقوقية وإعلامية بأنها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال عبر شبكات تهريب ووسطاء في ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى. وقد اتهمت تقارير أممية أبوظبي بخرق حظر توريد السلاح إلى السودان، وهو ما تنفيه الإمارات بشدة.

وبينما تدعو الإمارات في العلن إلى تسوية سلمية، يرى كثير من السودانيين أن دعمها الخفي للدعم السريع ساهم في تدمير مدن بكاملها، وخصوصًا في دارفور، حيث تشير شهادات الناجين وتقارير حقوقية إلى ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي ونهب واغتصاب. كما أدى دعمها اللوجستي إلى إطالة أمد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، ما يجعل أي دور إماراتي في جهود الوساطة مثار ريبة ورفض شعبي واسع.

ويبدو أن البيان الحكومي جاء ليضع خطوطًا حمراء لأي وساطة إماراتية ضمن الجهود الإقليمية والدولية، عبر التأكيد أن «انخراطها مع أي طرف كان في الشأن السوداني يعتمد على احترام سيادتها الوطنية وشرعية مؤسساتها القومية مبدأً وواقعًا».

تحذيرات من كارثة إنسانية واتهام للمجتمع الدولي بالعجز

البيان السوداني وجّه انتقادًا صريحًا للمجتمع الدولي لفشله في الضغط على الدعم السريع لرفع الحصار عن مدينة الفاشر، مركز العمليات الإنسانية في دارفور، التي تحاصرها المليشيا منذ 10 مايو/أيار 2024 وسط قصف مدفعي متكرر أوقع عشرات القتلى. وأعربت الخارجية عن أسفها لـ«عجز المجتمع الدولي عن إلزام المليشيا الإرهابية بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ورفع الحصار على الفاشر وتخفيف معاناة مواطنيها والسماح بمرور قوافل الإغاثة».

يأتي ذلك فيما تحذر الأمم المتحدة من أن القتال الممتد إلى 13 ولاية من أصل 18 يدفع البلاد إلى حافة المجاعة، حيث نزح أو لجأ أكثر من 15 مليون شخص، وقتل نحو 20 ألفًا وفق تقديرات رسمية، بينما قدّرت دراسة مستقلة أعدتها جامعات أمريكية عدد القتلى الحقيقي بحوالي 130 ألفًا، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية بالعالم.

وتزامن البيان السوداني مع إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم وكتيبة «البراء بن مالك» الموالية للجيش، بتهمة «زعزعة الاستقرار»، في خطوة اعتبرتها الخرطوم محاولة لمعادلة الحكومة الشرعية مع مليشيا متمردة مدعومة خارجيًا.

بين السلام الحقيقي والتدخلات المشبوهة

في المجمل، يعكس بيان الخارجية السودانية معادلة معقدة: الحكومة مستعدة للانخراط في أي مبادرات سلام تخفف المعاناة عن الشعب، لكنها في الوقت نفسه مصمّمة على رفض أي «سلام زائف» تُفرض ترتيباته من عواصم أجنبية كأبوظبي، التي يُتهم قادتها بالعبث بمصير السودان عبر تمويل الحرب وتغذية النزاعات القبلية والعرقية لتحقيق نفوذ اقتصادي وسياسي على أنقاض الدولة السودانية.

وبينما يزداد الضغط الدولي لإبرام هدنة، تؤكد الخرطوم أن الطريق إلى السلام يمر عبر إنهاء وجود الدعم السريع وتفكيكه ومحاكمة قادته على جرائم الحرب، وهو شرط ترى أنه لا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى، وأن أي عملية سلام لا تنطلق من هذا المبدأ ستظل مجرد محاولة لتبييض دور القوى الخارجية، وفي مقدمتها الإمارات، التي كانت —ولا تزال— شريكًا في دمار السودان.

اقرأ أيضًا : قصف الاحتلال لتحطيم إرادة غزة وفرض النزوح القسري