في تصعيد دموي جديد، كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر السبت قصفها العنيف والمكثّف على مدينة غزة، مستهدفة الأبراج السكنية والمنازل في قلب الأحياء المدنية، بالتزامن مع عمليات تفجير ونسف منظمة في مناطق مكتظة بالسكان، في محاولة واضحة لفرض واقع من النزوح القسري الجماعي نحو وسط وجنوب القطاع. 

هذه الهجمات التي اتسمت بطابع تدميري شامل، تأتي في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها وتحويلها إلى أنقاض خالية من الحياة، ضمن مخطط طويل الأمد لإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية للقطاع بالقوة.

استهداف عشوائي للمنازل والأحياء لفرض التهجير

بحسب شهود عيان ومصادر محلية، شنت طائرات الاحتلال المسيرة والمقاتلة في وقت متزامن غارات جوية متواصلة على منازل في محيط حي اليرموك وسط مدينة غزة، بينما استهدفت القنابل الثقيلة أحياء مكتظة بالسكان في مخيم الشاطئ غرب المدينة، مما أدى إلى انهيار عدة مبانٍ على ساكنيها. كما استهدفت قوات الاحتلال مجموعات من المدنيين الذين تجمعوا للحصول على المساعدات الإنسانية قرب محور نتساريم وسط القطاع، في مشهد يجسّد استخدام التجويع كأداة حرب ثم استهداف الجوعى أثناء بحثهم عن الغذاء.

اللافت أن هذه الهجمات لم تكن ذات طابع عسكري يستهدف مواقع أو بنى تحتية عسكرية مزعومة، بل جاءت مباشرة ضد منازل مدنية بالكامل، في رسالة واضحة بأن الهدف الحقيقي هو إرهاب المدنيين ودفعهم إلى ترك بيوتهم والنزوح جنوبًا، وليس القضاء على تهديد عسكري محدد. هذه السياسة ليست جديدة، إذ تتكرر مع كل موجة عدوان، لكنها الآن تُنفَّذ بوتيرة أعنف وبأسلوب أكثر تدميرًا، حيث تُسوَّى أحياء كاملة بالأرض خلال ساعات قليلة.

نزوح محدود رغم الدمار.. وصمود في مواجهة التطهير

ورغم الكثافة الهائلة في القصف وحجم الدمار الكارثي الذي خلّفه استهداف الأبراج والمنازل، تشير تقارير ميدانية إلى أن حركة النزوح نحو جنوب القطاع ما تزال محدودة للغاية، بل شبه معدومة مقارنة بتوقعات الاحتلال. ويعود ذلك إلى عدة عوامل؛ أهمها الاكتظاظ الشديد في مناطق الجنوب والوسط التي دعا جيش الاحتلال المدنيين للنزوح إليها، حيث لم تعد هذه المناطق قادرة على استيعاب المزيد من النازحين في ظل غياب أي بنية تحتية أو خدمات إنسانية حقيقية. كما أن الاحتلال لم يوقف القصف على هذه المناطق “الآمنة” أصلاً، مما جعل السكان يعتبرون النزوح مخاطرة لا تقل عن البقاء تحت القصف.

هذا الصمود الشعبي في مواجهة مخطط التهجير القسري يعكس إرادة جماعية لدى أهالي غزة في عدم تكرار تجربة النكبة، ورفضهم التحول إلى لاجئين مرة أخرى. بل إن كثيرًا من العائلات التي تعرضت منازلها للقصف عادت للبقاء قرب أنقاضها، في تحدٍ واضح لسياسة الاحتلال القائمة على بث الرعب ودفع السكان إلى النزوح بأي ثمن.

إجرام ممنهج يستهدف الوجود المدني

المشهد العام في غزة اليوم يُظهر بوضوح أن الاحتلال يمارس سياسة إجرامية ممنهجة ضد المدنيين، تقوم على الجمع بين القصف الكثيف واسع النطاق والتفجيرات الأرضية المنظمة داخل الأحياء السكنية، بهدف تدمير البيوت على رؤوس ساكنيها، ثم اتهام السكان بالهرب أو الاختباء بين “مسلحين”. هذا النمط من الحرب، الذي يُجرَّم صراحة في القانون الدولي الإنساني، يُعَدّ جريمة حرب مكتملة الأركان، إذ يستهدف البنية السكانية نفسها لا الأهداف العسكرية.

كما أن استهداف طالبي المساعدات في محور نتساريم يضيف بُعدًا جديدًا لهذه الجرائم، إذ يظهر أن الاحتلال يسعى إلى تحطيم كل مقومات الحياة المدنية في غزة، من الطعام والماء إلى المأوى والدواء، ضمن استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تحرم السكان من أي خيار سوى النزوح أو الموت.

خاتمة: تهجير بالقوة وصمود بالإرادة

إن التصعيد الأخير في مدينة غزة لا يمكن وصفه إلا بأنه محاولة منظمة لتفريغ المدينة عبر التهجير القسري باستخدام القوة المفرطة، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية. غير أن الواقع الميداني يكشف أن رهان الاحتلال على كسر إرادة سكان غزة لم ينجح حتى الآن، إذ يواصل الأهالي التمسك بأرضهم وبيوتهم رغم القصف والدمار والقتل الجماعي. هذه الإرادة الشعبية الصلبة تقف اليوم كحاجز أخلاقي وإنساني أمام مخططات الاحتلال، وتؤكد أن غزة ليست مجرد أرض بل روح مقاومة تأبى الانكسار.

اقرأ أيضًا : أيرلندا تتحدى يوروفيجن: لا مشاركة مع إسرائيل والدم الفلسطيني لم يجف بعد