في مفارقة تكشف حجم الانفصام الأخلاقي في النظام الدولي، أعلنت وزارة الأمن الإسرائيلية، أن عام 2024 سجّل رقماً قياسياً جديداً في صادرات السلاح، بلغ 14.8 مليار دولار، رغم حرب الإبادة التي تواصلها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وبينما تسقط القنابل على منازل المدنيين وتحاصر المساعدات وتُقصف المستشفيات والمدارس، كانت الصناعات الحربية الإسرائيلية تعقد صفقات ضخمة مع دول من الشرق والغرب، وفي مقدمتها دول “اتفاقيات أبراهام”، التي مثلت وحدها 12% من هذه الصادرات، بما يعادل 1.8 مليار دولار.
هذه القفزة تعكس ليس فقط مدى ازدهار تجارة السلاح الإسرائيلي، بل أيضاً التواطؤ الدولي، خاصة من الدول التي تدّعي احترام حقوق الإنسان، فيما هي في الواقع تملأ ترساناتها بأسلحة اختُبرت ميدانياً على أجساد الفلسطينيين.

الزبائن الجدد: تطبيع يتحول إلى تجارة موت
لم يكن مستغرباً أن تتصدر دول الإمارات والبحرين والمغرب قائمة الدول التي ارتفعت وارداتها من الأسلحة الإسرائيلية عام 2024، بعد أن تحولت اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ”اتفاقيات أبراهام” إلى بوابة تجارية لتدفق التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية نحو هذه الأنظمة.
وبحسب تقرير القناة 13 الإسرائيلية، فقد شكلت صفقات هذه الدول وحدها 12% من مجمل الصادرات العسكرية الإسرائيلية لعام 2024، مقارنة بـ3% فقط في 2023، أي أنها تضاعفت أربع مرات خلال عام واحد. هذا التزايد لا يمكن فصله عن مسار التطبيع السياسي والأمني، حيث تجاوزت العلاقات بين الطرفين حدود الدبلوماسية إلى تعاون عسكري مباشر، يتضمن شراء أنظمة مراقبة وتجسس ودفاع جوي، وحتى طائرات مسيّرة تستخدم لقمع الاحتجاجات أو لحماية الأنظمة من “العدو الداخلي”.
وفي ظل صمت الشعوب العربية، وانشغال الإعلام الرسمي لهذه الدول في شيطنة الفلسطينيين والمقاومة، يجد الاحتلال سوقاً مفتوحاً لنقل أدوات القتل والقمع إلى حلفائه الجدد في المنطقة.
الطلب على السلاح “المُجرب”.. حين تتحول المجازر إلى دعاية
ما يجعل هذه الطفرة في الصادرات أكثر خطورة هو أن عدداً كبيراً من الصفقات—أكثر من 56% منها—تجاوزت قيمة 100 مليون دولار للصفقة الواحدة. ويرتبط ذلك مباشرة بما وصفته وزارة الأمن الإسرائيلية بـ”الخبرة القتالية المكتسبة من الحرب على غزة”، التي تحولت إلى عامل جذب للمشترين، خاصة من الدول الأوروبية.
فالأنظمة العسكرية في العالم باتت تبحث عن أسلحة “تم اختبارها ميدانياً”، وليس هناك ميدان أكثر وحشية ودموية من غزة. ومن هنا، فإن تكنولوجيا القتل التي استخدمت ضد النساء والأطفال والمدنيين في القطاع أصبحت شهادة جودة في السوق العسكرية الدولية.
وهو ما أكده بيان وزارة الأمن نفسه، عندما أشار إلى أن “الإنجازات العملياتية غير المسبوقة خلال الحرب زادت من الطلب على التكنولوجيا الإسرائيلية”. أي أن حرب الإبادة ليست مجرد “واقعة سياسية”، بل أصبحت حملة دعائية فعالة لترويج الأسلحة أمام الزبائن الدوليين.
الأرقام تكشف الخريطة الجديدة للحرب والربح
تشير البيانات الرسمية إلى أن صادرات أنظمة الدفاع الجوي مثّلت ما يقارب نصف إجمالي الصفقات (48%)، يليها الفضاء والأقمار الصناعية (8%)، والحرب الإلكترونية والرادارات (8%)، مما يعكس التوجه نحو الحروب غير التقليدية و”الحروب الذكية”. وفي ذات الوقت، تراجعت الصفقات مع آسيا وأميركا اللاتينية من 52% عام 2023 إلى 24% عام 2024، في حين قفزت الصفقات مع أوروبا من 35% إلى 54%.
هذا التحول في الخريطة يعكس رغبة الأنظمة الغربية في الاستفادة من أدوات القمع والمراقبة والتجسس التي باتت تمثل “العلامة التجارية” لصناعات الاحتلال الإسرائيلي. كما يشير إلى أن الدعم الأوروبي لإسرائيل لم يعد يقتصر على الخطابات أو الدعم السياسي، بل بات دعماً تجارياً مباشراً لمجهودها الحربي.
تعليقات قادة الاحتلال: مفاخرة بمجزرة تحوّلت إلى منجم ذهب
لم يخفِ المسؤولون الإسرائيليون فرحتهم بالرقم القياسي الجديد. إذ قال وزير الأمن يسرائيل كاتس بوضوح إن هذا الإنجاز هو “ثمرة نجاحات الجيش الإسرائيلي في مواجهة حماس وحزب الله والحوثيين”، مضيفاً أن “العالم يرى القوة الإسرائيلية ويريد أن يكون شريكاً فيها”.
أما اللواء احتياط أمير برعام، المدير العام لوزارة الأمن، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما وصف تزايد الطلب العالمي على الأسلحة الإسرائيلية بأنه “تقدير عالمي لأداء التكنولوجيا الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن على إسرائيل الاستمرار في تصدير هذه الأسلحة لدعم الجيش الإسرائيلي.
لكن التصريح الأخطر ربما جاء من رئيس قسم الصادرات الدفاعية العميد احتياط يئير كولس، الذي قال إن “النجاحات تعزز مكانة إسرائيل كقوة تكنولوجية أمنية رائدة”. بمعنى آخر، كل مجزرة، كل جريمة حرب، كل طفل شهيد… تتحول إلى عرض ترويجي على طاولة مفاوضات التصدير.
خاتمة: من يربح من حرب غزة؟
إن هذا الرقم القياسي في صادرات السلاح الإسرائيلي عام 2024 لا يعكس فقط نجاحاً تقنياً، بل يعكس سقوطاً أخلاقياً على مستوى العالم. فبدلاً من فرض العقوبات على دولة متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تتهافت الدول على شراء أدوات القتل منها.
والأدهى أن بعض هذه الدول ليست أنظمة غربية فقط، بل أنظمة عربية تشتري السلاح ذاته الذي يُستخدم في قتل الفلسطينيين، وكأنها بذلك تشتري صمتها وتشتري مكانها في “تحالفات المصالح” على حساب دماء الأبرياء.
لقد بات واضحاً أن حرب غزة لم تكن فقط جريمة إنسانية، بل أيضاً صفقة كبرى، يربح فيها السماسرة، وتُزهق فيها أرواح الفقراء. والسؤال الأخلاقي الأهم: إلى متى يظل الدم الفلسطيني سلعة تروَّج في أسواق السلاح؟
اقرأ أيضًا : ساعدت في نشر الإسلاموفوبيا.. سقوط حكومة هولندا المتطرفة المدعومة من الإمارات