في مشهد يعبّر عن عمق الانقسامات السياسية والاجتماعية في أوروبا، انهارت الحكومة الهولندية يوم الثلاثاء بعد انسحاب النائب اليميني المتطرف خيرت فيلدرز من الائتلاف الحاكم، في خطوة أحدثت صدمة في المشهد السياسي الأوروبي، وفتحت الباب أمام انتخابات مبكرة قد تُجرى في أكتوبر المقبل. 

وقد أثار الانهيار تساؤلات بشأن صعود الحكومات المتطرفة المدعومة إقليميًا، ولا سيما من أطراف خارجية مثل الإمارات، التي وُجهت لها أصابع الاتهام بدعم خطابات الكراهية والإسلاموفوبيا في أوروبا.

فيلدرز ينسحب: أزمة مهاجرين أم انفجار تطرف؟

السبب الظاهري لانهيار الحكومة كان الخلافات حول ملف الهجرة واللجوء، والذي حاول فيلدرز استغلاله لصالح مشروعه السياسي القائم على العداء الصريح للمسلمين والمهاجرين. ففي تصريحات نارية، أعلن فيلدرز أنه قرر الانسحاب من الحكومة لأن “شركاء الائتلاف لم يبدوا جدية في دعم خطته لإغلاق الحدود أمام طالبي اللجوء وطرد اللاجئين السوريين وإغلاق مراكز الإيواء”.

وكان فيلدرز قد قدّم خطة متشددة من عشر نقاط تقضي بإغلاق الحدود بوجه طالبي اللجوء، إعادة اللاجئين السوريين، طرد المدانين من المهاجرين، وتقييد حركة غير الهولنديين داخل البلاد، وهي خطة وُصفت من قبل منظمات حقوقية أوروبية بأنها “انقلاب على حقوق الإنسان”.

في المقابل، ردت الأحزاب الأخرى في الائتلاف – وخصوصًا حزب العمل المحافظ وحزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية – بأنها كانت تنتظر مقترحات عملية من وزارة الهجرة التي يتولاها عضو في حزب فيلدرز، لكنها لم تتسلم شيئًا رسميًا يمكن النقاش حوله.

دعم إماراتي وتطبيع للخطاب المتطرف

اللافت أن فيلدرز، الذي صعد بسرعة صاروخية في السياسة الهولندية خلال العقدين الأخيرين، لطالما نُظر إليه على أنه واجهة للتيار المعادي للإسلام في أوروبا. علاقته الوثيقة بدوائر إماراتية تم الكشف عنها سابقًا في تقارير أوروبية، كان آخرها تقرير لـ”EU DisinfoLab” الذي تحدث عن شبكات تمويل إماراتية تدعم سياسات يمينية متطرفة عبر أوروبا، ومن ضمنها حزب الحرية الذي يتزعمه فيلدرز.

وتُظهر عدة مؤشرات أن الإمارات، من خلال تقاربها مع أطراف أوروبية متشددة، عملت على تغذية الإسلاموفوبيا عبر منصات إعلامية وتمويل شخصيات سياسية مناوئة للمهاجرين والمسلمين، في مسعى لتقويض أي نفوذ إسلامي داخل المجتمعات الأوروبية.

فيلدرز نفسه كان قد زار أبوظبي في أكثر من مناسبة غير معلنة رسميًا، وأشاد بسياسات “الصرامة ضد الإسلام السياسي”، ووصف الإمارات بأنها “نموذج لدولة ناجحة دون تأثير إسلامي شعبي”.

حكومة تسيير أعمال ومخاوف من فراغ سياسي

رئيس الوزراء الهولندي الحالي، ديك شوف، المستقل، قال في مؤتمر صحفي مساء الثلاثاء إن الحكومة ستواصل تسيير الأعمال بشكل مؤقت، لكن “الوضع غير مستقر، والتحديات الأمنية والاقتصادية لا تنتظر الصراعات السياسية”. 

وأضاف شوف: “انسحاب فيلدرز في هذا التوقيت يعرض البلاد لأزمة حقيقية، خاصة ونحن على أعتاب استحقاقات دولية كبرى مثل قمة الناتو التي تستضيفها لاهاي هذا الشهر”.

وبحسب مصادر حكومية، فإن الحكومة الهولندية كانت بصدد تقديم ميزانية دفاعية موسعة، تتضمن زيادة الإنفاق العسكري استجابة للضغوط الأميركية، وهو ما قد يتأجل الآن بسبب سقوط الائتلاف.

الانتخابات المقبلة: هل يعود فيلدرز بقوة؟

من جهته، أعلن فيلدرز عزمه خوض الانتخابات المقبلة بمنتهى القوة، قائلاً إن هدفه هو “إنقاذ هولندا من فوضى الهجرة”، وأضاف: “لقد وافقت على سياسة لجوء صارمة، لا على هلاك هولندا”، في تعبير يعكس نزعته الشعبوية. 

وسبق لحزب فيلدرز أن حصد المرتبة الأولى في انتخابات نوفمبر 2023 بنسبة 23%، وهي نسبة غير مسبوقة لحزب يميني متطرف في هولندا، فيما تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أنه لا يزال يحتفظ بنسبة دعم قوية تتراوح بين 19 و21%.

ويُتوقع أن تكون الهجرة، والهوية الهولندية، والأمن القومي، أبرز محاور الحملة المقبلة، وسط مخاوف من تصاعد الخطاب العنصري وتراجع الخطاب العقلاني والليبرالي في بلد يُفترض أنه من أكثر دول أوروبا انفتاحًا.

الإسلاموفوبيا في قلب الجدل السياسي

انهيار الحكومة الهولندية ليس مجرد تطور داخلي، بل هو علامة فارقة في صعود المد اليميني المتطرف في أوروبا، تحت رايات “محاربة الإسلام السياسي” و”السيطرة على الهجرة”، وهي شعارات باتت تجد دعمًا خارجيًا من دول مثل الإمارات التي تسعى لتصدير نموذجها السلطوي إلى الخارج، باستخدام الديمقراطية الأوروبية ضد ذاتها.

وتخشى منظمات أوروبية من أن يُوظَّف الانهيار الحكومي الحالي لتمرير مزيد من السياسات القمعية بحق المهاجرين والمسلمين، في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات. 

وقد صرّحت منظمة العفو الدولية في بيان عاجل: “نحذر من تحوّل هولندا إلى مسرح تجريبي لليمين الأوروبي المتطرف، إذا لم تتدارك الأحزاب السياسية الوضع وتحول دون سقوط البلاد في فخ العنصرية المقنّنة”.

خاتمة: أوروبا بين مفترق الطرق

في النهاية، يعكس سقوط الحكومة الهولندية أزمة أعمق تضرب النظام السياسي الأوروبي، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على التفاهم داخل تحالفات مستقرة، في ظل الضغوط الشعبوية، والتدخلات الخارجية، وتصاعد الأزمات. 

وفي بلد كالطواحين، لا يبدو أن الرياح تهبّ لصالح الديمقراطية، بل لصالح التطرف المدعوم بمال سياسي خارجي وخطاب كراهية يتسلل من الخارج إلى صميم البرلمان.

اقرأ أيضًا : الأسوأ منذ البداية.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر الإنساني في غزة