في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل إسرائيل وخارجها، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت، عزمه الترشح مجددا لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، رغم ملاحقته قضائيا في ملفات فساد داخلية ومذكرات توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.

رجل السلطة الدائم.. يسعى لولاية جديدة رغم الملاحقات

جاء إعلان نتنياهو خلال مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، عندما أجاب بـ”نعم” على سؤال مباشر حول نواياه السياسية المستقبلية، مؤكدا أنه سيخوض الانتخابات المقبلة على رأس حزب الليكود، في مسعى جديد للبقاء في السلطة التي شغلها لأكثر من 18 عاما منذ عام 1996 في فترات متقطعة، وهو ما يجعله صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل.

ويمثل قرار نتنياهو، الذي يبلغ من العمر 75 عاما، تحديا سافرا لكل خصومه السياسيين والحقوقيين، إذ يصر على البقاء في المشهد السياسي رغم تزايد الدعوات المطالبة بتنحيه ومحاكمته على الجرائم التي ارتكبها خلال الحرب على غزة. ويرى مراقبون أن الرجل الذي يُلقب بـ”الملك بيبي” يحاول عبر الانتخابات المقبلة تجديد شرعيته السياسية كدرعٍ واقٍ أمام المحاكم المحلية والدولية، مستغلا حالة الاستقطاب الداخلي وصعود التيار الديني المتطرف في المجتمع الإسرائيلي.

الليكود والمعسكر اليميني.. رهان نتنياهو الأخير

يتزعم نتنياهو حزب الليكود اليميني الذي فاز في الانتخابات الأخيرة بـ32 مقعدا في الكنيست، مدعوما بتحالفات مع الأحزاب الحريدية التي حصدت 18 مقعدا، والتحالف الصهيوني الديني المتطرف الذي نال 14 مقعدا، ما مكنه من تشكيل واحدة من أكثر الحكومات تطرفا في تاريخ إسرائيل.

ويراهن نتنياهو على تماسك هذا المعسكر اليميني في الانتخابات المقبلة، إذ يعتبر أن القاعدة اليمينية المتشددة لا تزال ترى فيه “الزعيم الحامي لأمن إسرائيل” رغم الانتقادات الواسعة التي طالت إدارته للحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية الكارثية. في المقابل، يتوقع محللون أن يحاول منافسوه من داخل اليمين نفسه استغلال حالة التآكل الشعبي والضغوط القضائية التي تواجهه لإضعاف موقعه قبل الانتخابات.

فساد ومحاكمات مؤجلة.. واتهامات بالإبادة الجماعية

منذ عام 2020، يواجه نتنياهو ثلاث قضايا فساد تتعلق بالاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشوة، غير أنه استطاع المماطلة في المحاكمات واستغلال ثغرات النظام السياسي للحفاظ على بقائه في الحكم. وقد شكلت تلك القضايا دافعا أساسيا وراء مشروع “الإصلاح القضائي” الذي طرحه عام 2023 لتقويض صلاحيات المحكمة العليا، وهو ما أثار احتجاجات حاشدة هزت إسرائيل لعدة أشهر قبل اندلاع الحرب على غزة.

لكن الفضيحة الأشد ثقلا على سمعته هي مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، التي تتهمه بإصدار أوامر ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بعد عامين من الحرب التي خلفت أكثر من 67 ألف شهيد وجريح في غزة. وبالرغم من تلك الاتهامات، يواصل نتنياهو رفض أي مسؤولية عن المجازر، متهما المحكمة بـ”التحيز ضد إسرائيل”، ومؤكدا أنه “سيقاتل حتى النهاية لحماية إسرائيل وجنودها”.

احتجاجات داخلية واتهامات بالفشل القيادي

يواجه نتنياهو أزمة ثقة غير مسبوقة داخل إسرائيل، إذ يتهمه خصومه – بمن فيهم عائلات الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية – بالفشل في إدارة الحرب على غزة والتأخر في إتمام صفقات تبادل الأسرى. كما تُحمّله المعارضة مسؤولية تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة بعد رفضه المتكرر للمطالب الأمريكية بوقف الحرب والانخراط في مسار سياسي لإعادة إعمار غزة.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع شعبية نتنياهو إلى أدنى مستوياتها منذ توليه الحكم، فيما يرى مراقبون أن محاولته الترشح مجددا قد تكون مقامرة أخيرة للبقاء في المشهد السياسي، مستفيدا من الخطاب القومي المتشدد وتحريضه المستمر على الفلسطينيين لتعبئة القاعدة اليمينية.

بين الهروب من العدالة وتثبيت الإرث السياسي

يرى محللون أن إعلان نتنياهو عن ترشحه ليس مجرد خطوة سياسية تقليدية، بل هو محاولة متعمدة لتحدي المحكمة الجنائية الدولية وإرسال رسالة مفادها أنه لا يزال قادرا على فرض نفسه كلاعب رئيسي في المشهد الدولي رغم الاتهامات الموجهة إليه. فالرجل يدرك أن خروجه من السلطة يعني فقدانه الحصانة السياسية التي تحميه من المحاكمة، ولذلك يسعى إلى إبقاء نفسه داخل دائرة القرار إلى أقصى مدى ممكن.

من ناحية أخرى، يسعى نتنياهو إلى إعادة كتابة إرثه السياسي من خلال تصوير نفسه كقائد يواجه “مؤامرة دولية” تستهدف إسرائيل، وهي سردية يكررها باستمرار أمام مؤيديه. إلا أن الواقع الميداني في غزة، والانقسامات الداخلية، والملاحقات القضائية قد تجعل هذه العودة أصعب مما يتصور.

خاتمة: ترشح فوق ركام غزة

في النهاية، يبدو أن نتنياهو يصر على خوض معركته السياسية الأخيرة فوق ركام غزة، متحديا القانون الدولي والرأي العام العالمي، في مشهد يجسد الغطرسة الإسرائيلية بأوضح صورها. فبينما ما تزال المقابر الجماعية تُكتشف تحت أنقاض القطاع، يعلن الرجل المتهم بالإبادة الجماعية عن نيته الاستمرار في الحكم، وكأن الدم الفلسطيني ليس إلا وقودا إضافيا لطموحاته السياسية التي لا تنتهي.

اقرأ أيضًا : محمد نزال: حماس منفتحة على هدنة طويلة لإعمار غزة.. والسلاح “قضية وطنية لا تخص فصيلاً بعينه”