في تصريح لافت يعبّر عن براغماتية جديدة في خطاب حركة حماس بعد حرب غزة الأخيرة، أعلن القيادي البارز في الحركة، محمد نزال، استعداد حماس لقبول هدنة تمتد لخمس سنوات، تتيح المجال أمام إعادة إعمار القطاع المنكوب، شريطة أن تترافق مع ضمانات واضحة لما بعد تلك المرحلة، بما يمنح الفلسطينيين “أفقًا وأملًا نحو إقامة دولتهم المستقلة”.
نزال، في حديثه لوكالة “رويترز”، أشار إلى أن الحركة لا تمانع وقفًا طويلًا لإطلاق النار إذا كان ذلك جزءًا من “مشروع وطني شامل” يعالج جذور الصراع، وليس مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة. هذا الطرح يأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث تسعى الأطراف الإقليمية والدولية إلى تثبيت وقف إطلاق النار بعد عامين من الحرب المدمرة التي حوّلت غزة إلى ركام، وخلفت عشرات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين.
وبينما قد يُفهم عرض الهدنة على أنه تنازل أو مرونة من جانب الحركة، إلا أنه في جوهره يعكس إدراكًا عميقًا لتعقيدات المرحلة المقبلة، حيث لم تعد الحرب وحدها أداة لتحقيق الأهداف، بل باتت إعادة الإعمار ومعالجة الكارثة الإنسانية في القطاع جزءًا من معادلة “المقاومة السياسية”. فالحركة تدرك أن استعادة الحياة في غزة تحتاج إلى استقرار طويل، وأن إعادة البناء مرهونة بتدفق المساعدات وإعادة الثقة بالبيئة الأمنية، وهو ما تسعى لتأمينه عبر فترة هدنة طويلة مشروطة بضمانات حقيقية.
السلاح: خط أحمر وطني لا مساومة عليه
وحول الضغوط المتزايدة من الاحتلال والإدارة الأمريكية لنزع سلاح المقاومة في غزة، أكد نزال أن الحديث عن “نزع السلاح” لا يمكن اختزاله في إجابة بنعم أو لا، بل يتوقف على “طبيعة المشروع الذي يُطرح”، مضيفًا بوضوح: “السلاح مسألة وطنية عامة، ولا تخص حماس وحدها، فهناك فصائل أخرى فاعلة على الأرض تملك السلاح، ولا يمكن تجاهلها”.
تصريحه هذا يعكس تمسك الحركة بمعادلة “المقاومة كحق مشروع”، وفي الوقت نفسه يترك الباب مفتوحًا أمام أي مبادرات سياسية قد تطرح إطارًا أوسع للضمانات الوطنية. بمعنى آخر، فإن حماس لا تريد أن تبدو كمن يرفض الحلول السياسية، لكنها في الوقت نفسه تعتبر أن السلاح هو الضمانة الأخيرة في مواجهة الاحتلال، ووسيلة لتحقيق توازن الردع الذي أثبت نجاعته في منع الإملاءات الإسرائيلية بعد الحرب.
كما أشار نزال إلى أن الحركة تعتزم الاحتفاظ بدورها الأمني في المرحلة الانتقالية المقبلة، معتبرًا أن وجودها على الأرض ضروري “لحماية شاحنات المساعدات من اللصوص والعصابات المسلحة”، في إشارة واضحة إلى أن الفوضى الأمنية التي شهدتها بعض مناطق القطاع بعد الحرب تجعل من وجود المقاومة عامل استقرار، وليس تهديدًا.
وهنا يمكن قراءة الرسالة الأعمق في حديث نزال: حماس تريد أن تبقى الفاعل المركزي في غزة حتى خلال مرحلة “إدارة التكنوقراط” المقترحة، لتضمن أن إعادة الإعمار لن تتحول إلى وسيلة لنزعها من المشهد السياسي أو لتفكيك بنيتها الأمنية والعسكرية.
المحاسبة في زمن الحرب.. وموقف من حملة الإعدامات
وفي سياق متصل، دافع نزال عن الإجراءات التي اتخذتها المقاومة بحق من وصفهم بـ”العملاء والمجرمين” الذين تعاونوا مع الاحتلال خلال الحرب، وقال إن “الإعدامات التي جرت استندت إلى تحقيقات وأدلة دامغة، وتمت في ظروف استثنائية تفرضها الحرب”.
وأكد أن الذين أُعدموا “تورطوا في جرائم قتل بحق الفلسطينيين”، مشددًا على أن هذه الإجراءات لم تكن عشوائية بل جاءت لحماية الجبهة الداخلية من الانهيار.
هذه التصريحات تأتي ردًا على الانتقادات التي وجهتها بعض المنظمات الحقوقية حول “غياب الإجراءات القضائية”، إلا أن نزال برر الأمر بأن “القضاء الميداني في زمن الحرب ضرورة لحماية المجتمع من الفوضى والخيانة”، وهو ما يعكس تمسك الحركة برؤيتها الأمنية الصارمة حتى في زمن ما بعد القتال.
من منظور أوسع، يمكن القول إن ما طرحه نزال يشير إلى ملامح مشروع سياسي جديد لدى حماس، قائم على مزيج من الواقعية السياسية والتشبث بالثوابت الوطنية. فالحركة باتت ترى في الهدنة الطويلة فرصة لترميم غزة وإعادة بناء قدراتها، دون أن تكون تلك الهدنة مدخلًا لانتزاع سلاحها أو تقليص نفوذها.
وفي المقابل، فإنها تحاول إرسال إشارات للفاعلين الإقليميين — خصوصًا مصر وقطر وتركيا — بأنها منفتحة على تسويات طويلة الأمد، شرط ألا تمس جوهر مشروعها المقاوم.
بين التكنوقراط والسيطرة الانتقالية: معادلة “حماس الجديدة”
تحدث نزال عن نية الحركة دعم تشكيل “إدارة تكنوقراط انتقالية” تقود غزة في المرحلة القادمة، على أن تجري انتخابات عامة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، مؤكداً أن الحركة “ستكون موجودة على الأرض خلال هذه الفترة لضمان الأمن وتنظيم الحياة العامة”.
هذا الطرح يعيد إلى الأذهان نموذج ما بعد انتخابات 2006، لكنه يختلف في جوهره؛ إذ تسعى حماس اليوم إلى “فصل الإدارة عن المقاومة” من دون التخلي عن دورها الفعلي في حماية القطاع. فبينما تتيح التكنوقراط للحركة مساحة للتنفس الدولي ورفع جزء من الحصار، يبقي وجودها الأمني والسياسي ضمانة لاستمرار نفوذها داخل المشهد الفلسطيني.
في الخلاصة، يعكس خطاب محمد نزال تحولًا تكتيكيًا في خطاب حماس: فهي لم تعد تتحدث فقط بلغة المقاومة المسلحة، بل أيضًا بلغة “المعادلة الوطنية”، التي توازن بين إعادة الإعمار والاحتفاظ بعناصر القوة.
هدنة لخمس سنوات، انتخابات عامة، إدارة مدنية انتقالية، وموقف ثابت من السلاح — كلها مؤشرات على أن الحركة تسعى إلى إعادة تعريف دورها في مرحلة ما بعد الحرب، دون أن تتنازل عن جوهر مشروعها المقاوم.
اقرأ أيضًا : إسرائيل سلّحت خصوم حماس.. فاستولت حماس على الأسلحة والأموال!