حلَّ شهر رمضان المبارك هذا العام على اليمنيين وسط أزمة معيشية خانقة، فاقمها الارتفاع الجنوني في الأسعار، والانهيار المتواصل للعملة الوطنية، مما جعل تلبية الاحتياجات الأساسية ضربًا من المعاناة.
بدلاً من أن يكون رمضان شهر الفرح والسكينة، تحوَّل إلى موسم يعكس حجم المأساة التي يعيشها المواطن اليمني، مع انعدام القدرة الشرائية وتراجع المساعدات الإنسانية التي كانت تخفف بعضًا من وطأة الأزمة.
ويعزو كثيرون هذا التدهور الاقتصادي إلى الدور الذي لعبته الإمارات، التي استغلت الحرب اليمنية لنهب ثروات البلاد، وفرض نفوذها على الموانئ والجزر الاستراتيجية، ما أدى إلى تدمير الاقتصاد الوطني وإفقار الشعب.
فقد عمدت أبوظبي إلى تمزيق اليمن عبر دعمها لمليشيات انفصالية، وإضعاف الحكومة الشرعية، ما ساهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وألقى بظلاله الثقيلة على حياة اليمنيين، خاصة خلال هذا الشهر الفضيل.

نهب الثروات وتدمير الاقتصاد
لم تكن الأوضاع المعيشية في اليمن بهذا السوء قبل أن تتدخل الإمارات في الحرب وتبدأ بتنفيذ أجندتها الخاصة، التي تمثلت في السيطرة على الموانئ والمنافذ الحيوية، واحتكار الموارد الاقتصادية للبلاد.
فقد وضعت أبوظبي يدها على ميناء عدن وحوّلته إلى منشأة شبه معطلة، في الوقت الذي أوجدت موانئ بديلة في دبي لجذب التجارة والاستثمار إلى أراضيها، متسببة في شل حركة الاقتصاد اليمني.
إلى جانب ذلك، عمدت الإمارات إلى السيطرة على جزيرة سقطرى، ونهبت مواردها الطبيعية، كما دعمت قوات انفصالية في الجنوب، مما أدى إلى تصاعد الصراعات الداخلية وتعطيل عجلة الاقتصاد.
وقد انعكست هذه السياسات بشكل مباشر على حياة المواطن اليمني، الذي أصبح يعاني من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وانعدام الرواتب، وتراجع فرص العمل، مما جعل رمضان هذا العام أكثر قسوة من أي وقت مضى.
فيما أكد باحثون أن الوضع الاقتصادي في اليمن أصبح على حافة الانهيار، نتيجة السياسات الإماراتية التي قادت إلى تدمير القطاعات الإنتاجية، وتسريح آلاف العمال، وتعطيل الدورة الاقتصادية بالكامل.
وأشار إلى أن أبوظبي دعمت شبكات فساد محلية للسيطرة على السوق، مما تسبب في نقص السيولة النقدية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني، ليجد المواطن نفسه عاجزًا عن تأمين قوت يومه، حتى في شهر رمضان المبارك.
شعب محاصر بالجوع.. والمساعدات تتلاشى
في ظل هذا المشهد القاتم، يتحدث التجار عن الواقع الاقتصادي المزري، قائلاً: “لم يعد الناس قادرين على شراء حتى الأساسيات، القوة الشرائية تراجعت بشكل رهيب مقارنة بالعام الماضي، والأسواق تعاني من ركود غير مسبوق”.
التجار أنفسهم يواجهون صعوبة في استيراد السلع، بسبب تراجع قيمة الريال، ما يجعل الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فيما أكد مراقبون أن توقف المساعدات الإنسانية زاد من حدة الأزمة، موضحًا أن الأمم المتحدة خفضت برامجها الإغاثية، في الوقت الذي تقلصت فيه مبادرات رجال الأعمال والتجار المحليين، الذين كانوا يقدمون مساعدات رمضانية للفقراء.
وشددوا “في السابق كان رمضان موسم الخير، لكن هذا العام أضحى موسم الجوع والمعاناة، لم يعد هناك رواتب، ولا مساعدات، ولا قدرة على مواجهة هذا الارتفاع الجنوني للأسعار”.
وتابع: “اليمنيون اليوم باتوا بين نارين؛ نار الجوع ونار الخوف من عودة الحرب بشكل أكثر دموية، حيث إن الإمارات لا تزال تغذي الصراعات الداخلية، وتدفع نحو مزيد من الانقسام، بما يخدم أجندتها الاستعمارية في البلاد”.
انهيار الريال.. والتصعيد العسكري يهدد بالمزيد
ساهمت السياسة الاقتصادية الإماراتية في انهيار الريال اليمني بنسبة 700% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما جعل أسعار المواد الغذائية تصل إلى مستويات غير مسبوقة.
وبحسب تقارير اقتصادية، فإن التضخم في اليمن بات من الأعلى عالميًا، مع تراجع احتياطي النقد الأجنبي، في ظل سيطرة مليشيات مدعومة إماراتيًا على الموارد السيادية، مثل النفط والغاز.
وفي الوقت الذي يعاني فيه اليمنيون من هذه الأزمات المعيشية الخانقة، تلوح في الأفق بوادر تصعيد عسكري جديد بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية أكثر فأكثر، حيث أن أي تصعيد عسكري سيعني مزيدًا من الدمار، وتوقف الحركة التجارية بشكل كامل، ما سيزيد من معاناة المواطنين، خاصة في هذا الشهر المبارك.
رمضان لم يعد كما كان
لم يكن رمضان 2025 مختلفًا عن الأعوام السابقة في اليمن من حيث الأوضاع الصعبة، لكنه هذا العام أكثر قسوة وجوعًا، نتيجة السياسات الإماراتية التي نهبت مقدرات البلاد، ودمرت اقتصادها، وأشعلت الصراعات لتمزيق نسيجها الوطني.
في ظل هذا الواقع المرير، لا يجد اليمنيون سوى الصبر سلاحًا لمواجهة المعاناة، بينما يترقبون مستقبلًا مجهولًا، في بلد يزداد انقسامه، وتتعمق جراحه، بسبب أجندات خارجية لا تهدف سوى إلى استمرار استنزافه.
اقرأ أيضًا : البيت الأبيض ينسف مبادرة السيسي لإعمار غزة.. ويضرب بالقمة العربية عرض الحائط