في مشهد يختزل حجم الانحدار السياسي والأخلاقي لبعض الأنظمة العربية، استقبل وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، يوم الأحد، وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في زيارة وُصفت بـ”البحث في العلاقات الثنائية المتطورة”.
تأتي هذه الزيارة في وقت ترتكب فيه إسرائيل أبشع جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وسط تواطؤ دولي وصمت عربي مطبق، لتكون أبوظبي، كعادتها، في مقدمة من يفرشون السجاد الأحمر لمجرمي الحرب.
لم يكن هذا اللقاء مجرد زيارة بروتوكولية، بل شكّل خطوة إضافية في مسار التطبيع المتسارع، الذي تقوده الإمارات منذ توقيع اتفاقيات “أبراهام” المشؤومة.
في الوقت الذي يُدفن فيه أطفال غزة تحت الأنقاض وتُحاصر مدنها بالجوع والموت، تستضيف القيادة الإماراتية مسؤولي الكيان الصهيوني، متحدثة عن “تعزيز العلاقات” و”جهود التهدئة”، في مشهد يعكس انفصاماً صارخاً بين الخطاب الإعلامي العربي الرسمي، والواقع الدموي المعيش على الأرض.

الإمارات.. من وكيل تجاري إلى وكيل سياسي للاحتلال
منذ إعلان تطبيعها العلني مع “إسرائيل” في 2020، تحولت الإمارات إلى منصة ترويج إقليمية ودبلوماسية لمصالح الاحتلال. ولم تكتفِ أبوظبي بعقد اتفاقيات تجارية وعسكرية وتقنية مع “تل أبيب”، بل باتت اليوم شريكاً كاملاً في صياغة خطاب سياسي يبرر العدوان ويشرعن الاحتلال.
زيارة جدعون ساعر تأتي في هذا السياق المظلم، ففي الوقت الذي تُتهم فيه حكومة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب، يتحدث عبد الله بن زايد عن “العلاقات المتطورة” و”توسيع آفاق التعاون”، ضاربًا عرض الحائط بدماء عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا منذ 7 أكتوبر 2023، والذين تجاوز عددهم 165 ألفًا بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال.
إن مشهد وزير خارجية الاحتلال وهو ينشر صوره من أبوظبي بفخر، متحدثًا عن “شركاء من أجل الاستقرار”، يكشف أن الإمارات لم تعد مجرد دولة عربية وقّعت اتفاق تطبيع، بل أصبحت لاعبًا فاعلًا في مشروع إعادة صياغة المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية، بل وتدافع عن هذا المشروع بحماس مثير للريبة.
خيانة مكشوفة للقضية الفلسطينية تحت قناع الإنسانية
أكثر ما يثير الاستفزاز في مضمون هذا اللقاء، هو محاولة النظام الإماراتي اللعب على وتر “الإنسانية”، والتحدث عن “الأزمة الإنسانية في غزة” و”ضرورة وقف إطلاق النار”.
في الظاهر، يبدو الحديث إنسانيًا ومسؤولًا، لكن في جوهره لا يعدو كونه محاولة لتغطية العار السياسي الذي يغلف سلوك الإمارات الخارجي.
كيف يمكن للإمارات أن تدعي “دعم الشعب الفلسطيني”، في الوقت الذي تستقبل فيه مسؤولي الاحتلال الذين يقودون آلة الحرب والموت ضد هذا الشعب؟ وكيف تتحدث عن “تقديم المساعدات”، بينما ترفض حتى الإدانة العلنية للإبادة الجارية في غزة؟ بل الأكثر خطورة، هو أن الإمارات تسهم بدور مباشر في الضغط على الفصائل الفلسطينية للقبول بتهدئة تخدم فقط المصالح الإسرائيلية.
في لقائه مع ساعر، تحدّث ابن زايد عن “ضرورة تجنب اتساع رقعة الصراع”، في حين أن من يوسّع رقعة النار هم أولئك الذين يسلّحهم الغرب ويبرر لهم العرب، ومن بينهم نظام أبوظبي نفسه.
أما الحديث عن “حل الدولتين”، فقد بات شماعة قديمة يستخدمها النظام الإماراتي لتبرير تطبيعه مع العدو، بينما هو يعلم تمامًا أن “إسرائيل” لا تعترف أصلاً بأي دولة فلسطينية، بل تسعى لاقتلاع ما تبقى من وجود عربي في فلسطين التاريخية.
عبدالله بن زايد يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي#وام https://t.co/YZMnxZ1J4X pic.twitter.com/BGH7eZOdWf
— وكالة أنباء الإمارات (@wamnews) April 6, 2025
الإمارات رأس حربة التطبيع وخيانة الأمة العربية
إن ما تفعله الإمارات اليوم، بقيادة محمد بن زايد، لا يمكن وصفه إلا بأنه خيانة صريحة للأمة العربية وقضيتها المركزية.
فالدولة التي كانت تتحدث عن دعم الشعب الفلسطيني باتت اليوم من أكبر الممولين للاحتلال، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو عبر المشاريع المشتركة التي تصب في دعم الاقتصاد الإسرائيلي.
بل إن الإمارات، بسياساتها، تشجع دولًا عربية أخرى على الالتحاق بركب التطبيع، تحت غطاء “الاستقرار” و”السلام”، في حين أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بزوال الاحتلال وعودة الحقوق إلى أصحابها.
الإمارات اليوم ليست مجرد مطبِّعة، بل هي منخرطة في مشروع إعادة صياغة الوعي العربي، وتبييض صورة الاحتلال في الإعلام العربي، وخلق سردية جديدة تتعامل مع الفلسطيني كضحية قدرية، ومع الإسرائيلي كشريك في التنمية. لكن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، وسيسجّل التاريخ أن محمد بن زايد ونظامه كانوا أحد أبرز المتواطئين مع المشروع الصهيوني، في لحظة كان فيها الشعب الفلسطيني يواجه المجازر والحصار والموت البطيء.
التطبيع لن يصنع مجدًا والحق لا يُشترى
زيارة وزير خارجية الاحتلال إلى أبوظبي ليست مجرد حدث سياسي، بل مؤشر واضح على مستوى الانهيار الأخلاقي الذي وصلت إليه بعض الأنظمة.
وفي الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بإبادة شعب أعزل، تمد الإمارات يدها لهذا العدو دون خجل أو مواربة، محاولة أن تلبس الخيانة قناع “الدبلوماسية” و”الاستقرار”.
لكنّ التاريخ علمنا أن التطبيع لا يصنع مجدًا، وأن الخيانة لا تؤسس لسلام، وأن الشعوب – وإن صمتت اليوم – ستنتصر في الغد، لأن الحق لا يُشترى، والمقاومة لا تُهزم، والخائن سيبقى خائنًا في ذاكرة كل حر.
اقرأ أيضًا : بن غفير يجدد اقتحامه للأقصى: استفزازات ممنهجة تمهد لفرض واقع تهويدي