في تصعيد حقوقي غير مسبوق في بريطانيا منذ عقود، يواصل ستة سجناء سياسيين إضراباً مفتوحاً عن الطعام منذ أسابيع طويلة، تجاوز لدى بعضهم ثلاثين يوماً، رفضاً لقرار الحكومة البريطانية تصنيف حركة “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية، واحتجاجاً على ظروف احتجازهم الطويلة قبل المحاكمة، والتي يعتبرونها شكلاً من أشكال الاضطهاد السياسي الممنهج ضد الأصوات المناهضة لدعم لندن العسكري والدبلوماسي للاحتلال الإسرائيلي.
السجناء يؤكدون أن قضاياهم لم تكن لتصل إلى هذا المستوى من التصعيد لولا التحول الأخير في السياسات البريطانية، التي باتت—وفق قولهم—تجرّم أي شكل من أشكال النضال المدني أو الاحتجاج السلمي ضد الشركات التي تزود الجيش الإسرائيلي بالأسلحة أو تقدم خدمات لوجستية للاحتلال، خاصة بعد الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لتعزيز ملاحقة الناشطين المؤيدين لفلسطين داخل بريطانيا.

احتجاز يتجاوز القانون.. واتهامات باستخدام “الإرهاب” لخنق التضامن مع فلسطين
يُحتجز معظم السجناء الستة منذ ما يزيد على الحد الأقصى المسموح به قانونياً، وهو ستة أشهر قبل المحاكمة. التهم الموجهة إليهم تتعلق بالمشاركة في حملات ضغط ووقفات احتجاجية استهدفت مصانع تابعة لشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية ومؤسسات بريطانية شريكة لها، وهي العمليات التي اشتهرت بها حركة “فلسطين أكشن” خلال السنوات الأخيرة، والتي تسببت في توقف بعض خطوط إنتاج الأسلحة المستخدمة في غزة والضفة الغربية.
ومع صدور قرار الحظر الحكومي هذا العام، دخلت السلطات البريطانية مرحلة جديدة من التعامل مع الحركة، فتحوّل النشاط المدني إلى “جريمة إرهابية”، وتحوّل الناشطون إلى “خطر أمني”، في مشهد يعكس—كما يقول حقوقيون—إصرار الحكومة على حماية الشركات المتورطة في التسليح، أكثر من حماية حقوق المواطنين في التعبير والاحتجاج.
صمت إعلامي مريب.. مقارنة تكشف ازدواجية المعايير
الكاتب البريطاني المعروف جوناثان كوك وصف في مقال حديث حالة الصمت الإعلامي بأنها “مقصودة”، مشيراً إلى أن الإضراب الحالي لم يحظ بأي تغطية جدية في الإعلام البريطاني، على خلاف إضرابات شهيرة سبقت في تاريخ بريطانيا، مثل إضراب السجناء الجمهوريين الإيرلنديين في الثمانينيات الذي تصدّر عناوين الصحف لأشهر.
هذا التعتيم الإعلامي يراه مراقبون انعكاساً لـ”خشية المؤسسات الإعلامية من الاصطدام مع التيار السياسي الذي يربط أي تضامن مع فلسطين بدعم الإرهاب”، خاصة بعد موجة التشريعات التي قُدمت في لندن منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة قبل عامين، والتي سمحت بملاحقة المحتجين وحتى اعتقالهم لمجرد رفعهم شعارات مؤيدة لفلسطين.
وبحسب محللين، فإن القوانين البريطانية الجديدة لمكافحة الإرهاب أصبحت أداة سياسية تستهدف رفع تكلفة أي نشاط يعارض الدعم العسكري المفتوح الذي تقدمه بريطانيا لإسرائيل، سواء عبر تصدير الأسلحة، أو عبر حماية الشركات الدفاعية العاملة في السوق البريطاني، أو عبر فرض رواية موحدة تمنع كشف الانتهاكات الإسرائيلية.
صرخات من السجون.. شهادات تكشف الإهمال الطبي وسوء المعاملة
في حلقة حديثة من بودكاست إلكترونيك انتفاضة، قالت شهمينا عالم، شقيقة السجين كمال أحمد، إن وضع شقيقها الصحي “يتدهور بشكل خطير”، وإنه بالكاد يستطيع البقاء مستيقظاً أو التنفس بشكل طبيعي بعد أسابيع من الامتناع عن الطعام.
كشفت عالم تفاصيل صادمة عن تعرض شقيقها لإهمال طبي ممنهج، مؤكدة أنه نُقل إلى المستشفى في 25 تشرين الثاني/نوفمبر، ثم أعيد إلى السجن بعد ثلاثة أيام رغم استمرار تدهور وضعه. وروت كيف تم إجباره على العودة حافي القدمين، ومنع من رؤية ملفه الطبي أو الحديث مباشرة مع الأطباء، وهو ما وصفته بأنه “أسوأ تجربة إنسانية مرّ بها في حياته”.
وتشير هذه الشهادات إلى أن السلطات لا تتعامل مع الإضراب بوصفه احتجاجاً مشروعاً، بل كـ”عقوبة ذاتية” يتحملها السجناء، في تجاهل صارخ للمعايير الدولية المتعلقة بحماية المضربين عن الطعام.
إضراب جماعي.. ومخاوف من وفاة أحد السجناء
السجناء الآخرون—أمو جيب، قيصر زهرة، هبة موريسي، جون سينك، وتيوتا هوكشا—يدخلون بدورهم مراحل متقدمة من الإضراب، إذ تجاوز البعض منهم 30 يوماً دون طعام، ما يرفع احتمال حدوث انهيار صحي قد يؤدي إلى وفاة أحدهم، وفقاً لمراقبين حقوقيين.
وجميعهم متهمون بالمشاركة في أنشطة للحركة قبل إدراجها على قائمة الإرهاب، ما يجعل المحاكمات مؤجلة، ويجعل احتجازهم الممتد دون حكم قضائي نهائياً مسألة خطيرة، خصوصاً مع استمرار الإضراب.
“حجب شبه كامل” للإضراب.. ومنع التضامن الشعبي
تقول فرانسيسكا نادين، سجينة سياسية سابقة وناشطة في مجموعة “أسرى من أجل فلسطين”، إن الإعلام البريطاني يتلقى تعليمات غير معلنة لعدم تغطية الإضراب، مشيرة إلى أن عدة محررين قالوا لها صراحة: “لن ننشر شيئاً عن الموضوع”.
نادين التي تواجه محاكمة خاصة بها في كانون الثاني/يناير 2027 بتهم تتعلق باحتجاجات ضد شركة “إلبيت”، تؤكد أن ما يحدث اليوم هو محاولة لصناعة مناخ تخويفي يمنع البريطانيين من التضامن مع فلسطين أو الاحتجاج على تسليح إسرائيل.
دعم بريطاني ثابت للاحتلال.. والقمع الداخلي إحدى أدواته
يرى محللون أن تشدد الحكومة البريطانية في ملاحقة “فلسطين أكشن” هو انعكاس مباشر لموقفها السياسي من الاحتلال، إذ تُعد لندن واحدة من أبرز الداعمين لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، سواء عبر صفقات السلاح أو عبر حماية مصالح الشركات المرتبطة بالجيش الإسرائيلي.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الحكومة الحالية تعتبر أي تعطيل لعمل مصانع السلاح التي تصدّر لإسرائيل تهديداً أمنياً، ما يفسر تصنيف الحركة بأكملها إرهابية رغم أنها تعتمد أساليب احتجاجية سلمية ومدنية.
خاتمة.. إضراب يفضح هشاشة الخطاب الديمقراطي البريطاني
بين اعتقالات ممتدة لا تستند إلى أحكام قضائية، وصمت إعلامي محكم، وتشريعات تُجرّم التضامن مع فلسطين، تكشف قضية السجناء الستة حجم التحول في السياسات البريطانية تجاه النشطاء المناهضين للاحتلال.
الإضراب المتواصل عن الطعام ليس مجرد معركة قانونية، بل اختبار لصدقية النموذج الديمقراطي البريطاني، ولقدرة المجتمع المدني على مقاومة موجة القمع التي تستخدمها الحكومة لحماية شراكتها مع إسرائيل.
وما لم تتحرك منظمات حقوقية دولية، أو يحدث ضغط شعبي واسع، يخشى كثيرون أن تنتهي هذه القضية بكارثة إنسانية قد تفتح الباب أمام موجة أوسع من الاعتقالات السياسية في بلد طالما تباهى بديمقراطيته.
اقرأ أيضًا : الإمارات تدفع الملايين للقاعدة: فدية تكشف دولة عاجزة لا تُتقن سوى صناعة الميليشيات